إلى أي حد يشبه البونزي اللبناني ما حصل في تركيا؟ يكشف تتبع الأزمات المالية عبر التاريخ عن محطات أسهمت فيها المضاربات المفرطة والتضليل والفساد في انهيار الأسواق. ومن أبرزها فقاعة شركة بحر الجنوب في بريطانيا عام 1720، حين روجت الشركة لتوقعات متفائلة في شأن آفاقها التجارية، مستفيدة من امتيازاتها في التجارة مع المستعمرات الإسبانية في أميركا، ومن خططها لتحويل الدين الحكومي البريطاني إلى أسهم. وأتاحت الشركة للمستثمرين شراء الأسهم على دفعات، وقدمت قروضا لتمويل شرائها، مما أسهم في زيادة الطلب وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مستدامة. لكن الفقاعة انفجرت في النصف الثاني من العام، مع انهيار أسعار الأسهم وتكبد المستثمرين خسائر كبيرة. وطالت الخسائر العالم إسحق نيوتن، الذي تشير رواية شائعة إلى أنه خسر نحو 20 ألف جنيه إسترليني، وإن كان حجم خسارته الفعلية غير محسوم تاريخيا. وكشفت الأزمة أيضا عن ممارسات فساد ورشى طالت شخصيات سياسية بارزة، لتصبح مثلا تاريخيا على مخاطر المضاربة وتضارب المصالح. نستذكر هذه الحادثة التاريخية للحديث عن أزمة مالية أخرى حدثت في زمننا. ففي منتصف سبتمبر/أيلول 2026، تفجرت في تركيا أزمة في صناديق الاستثمار، بعدما أمرت هيئة أسواق المال بتصفية 131 صندوقا تديرها سبع شركات لإدارة الأصول. ووصف وزير العدل أكين غورليك بعض الأساليب المشتبه في استخدامها بأنها "شبيهة بآلية بونزي"، التي تقوم على دفع عوائد للمستثمرين السابقين من أموال مستثمرين جدد، بدلا من تحقيق أرباح حقيقية ومستدامة. وارتبطت الأزمة أيضا بشبهات التلاعب بأسعار أسهم محدودة التداول، مما أدى إلى تضخم تقييمات بعض الصناديق ثم تفاقم الضغوط عليها مع تزايد طلبات الاسترداد. وتعود تسمية آلية بونزي إلى تشارلز بونزي، الذي احتال على المستثمرين في الولايات المتحدة عام 1920، بعدما أوهمهم بأن أرباحه تأتي من المضاربة في قسائم الرد البريدية الدولية. لكن العوائد التي دفعها للمستثمرين الأوائل لم تكن ناتجة من نشاط تجاري مربح، بل موّلتها أموال مستثمرين جدد. واستمر المخطط ما دام قادرا على جذب أموال جديدة، قبل أن ينهار عندما تصاعدت الشكوك وعجز عن الوفاء بالتزاماته. للتسجيل في