تضع التحرّكات الأميركيّة الأخيرة لبنان أمام معضلةٍ تتجاوز تعديل قانون إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، وما إذا كانت الدولة تملك أصلًا استراتيجيّةً واضحة للانتقال من الهدنة إلى السلام. فثمّة فارقٌ بين أن تدعو واشنطن إلى إلغاء التشريعات التي تجرّم التعامل مع إسرائيل، وبين أن تجد نائبًا لبنانيًّا مستعدًّا لتبنّي هذا المطلب، ووضع اسمه وتوقيعه على اقتراح قانونٍ يرفع القيود عن التعامل معها، فيما تستمرّ الاعتداءات الإسرائيليّة والاحتلال، وتغيب التسوية السياسيّة التي يُفترض أن تسبق تبديل هذه العلاقة. وفي قلب هذه المفارقة، ينفتح سؤالٌ آخر: هل المطلوب تعديل قانون المقاطعة الصادر عام 1955، أم المساس بأحكام قانون العقوبات التي تجرّم التعامل مع العدوّ؟ والأهمّ، هل يُفترض أن يسبق التغيير القانونيّ القرار السياسيّ، أم أن يكون نتيجةً له؟ عيسى والنوّاب: مَن يحمل الاقتراح؟ تُفيد مصادر نيابيّة لـِ "المدن" بأنّ السفير الأميركيّ في لبنان، ميشال عيسى، أشار خلال لقاءٍ جمعه بعددٍ من النوّاب اللبنانيّين إلى ماهية التقدّم باقتراح قانون لتعديل التشريعات التي تجرّم التعامل مع إسرائيل. وتتّجه الأنظار إلى موقف رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي من أيّ مبادرةٍ تشريعيّة محتملة، خصوصًا أنّ النقاش يتجاوز إمكانيّة تعديل القانون إلى التوازنات السياسيّة التي تحكم العلاقة مع إسرائيل. لكنّ السؤال الذي يسبق موقف برّي يبقى: مَن مِن النوّاب مستعدّ أصلًا لتقديم اقتراحٍ من هذا النوع وتحمّل تبعاته السياسيّة؟ فالتشريع يبدأ بمبادرةٍ معلنة، لا بموقفٍ دبلوماسيّ. ولا يكفي أن يقتنع عددٌ من النوّاب بضرورة السلام حتى يتحوّل الاقتناع إلى اقتراح قانون. إذ سيكون على النائب المبادر أن يبرّر لماذا ينبغي للبنان أن يرفع القيود عن التعامل مع إسرائيل الآن، وما الذي حصل عليه مقابل ذلك، وما إذا كان التعديل جزءًا من تسويةٍ سياسيّة أم خطوةً أحاديّة تسبقها. قانون العقوبات: أيّ تعامل مع العدوّ؟ يضع النائب مارك ضو، في حديثه لـِ "المدن"، النقاش في إطاره القانونيّ والسياسيّ، مشدّدًا على ضرورة التمييز بين أحكام قانون العقوبات اللبنانيّ المتعلّقة بالعدوّ، وبين قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955. فالتشريعات اللبنانيّة لا تتضمّن جرمًا واحدًا جامعًا بعنوان "التواصل مع إسرائيل"، بل مجموعة أحكامٍ تختلف باختلاف طبيعة الفعل والغاية منه. وتنصّ المادة 275 من قانون العقوبات، الصادر بالمرسوم الاشتراعيّ رقم 340 عام 1943، على معاقبة اللبنانيّ الذي يتّصل بالعدوّ بقصد معاونته على انتصار قواته. وبالتالي، فإنّ جوهر الجرم هنا يتعلّق بالمساعدة العسكريّة المقصودة، وليس بمجرّد حصول اتصالٍ بين لبنانيّ وشخصٍ يحمل الجنسيّة الإسرائيليّة. أمّا المادة 278، فتتناول، ضمن شروطٍ محدّدة، تقديم المساعدة إلى جاسوسٍ أو جنديٍّ أو عميلٍ للعدوّ، أو الاتصال بأحد هؤلاء مع العلم بصفته. وتُجرّم المادة 285 إجراء صفقاتٍ تجاريّة مع رعايا العدوّ أو المقيمين في أراضيه، كما تتناول دخول أراضي العدوّ من دون الموافقة القانونيّة اللازمة. وهذه الأحكام لا تنحصر بإسرائيل، بل تتّصل بمفهوم العدوّ وبحماية أمن الدولة الخارجيّ. وتختلف عناصر الجرائم التي تنصّ عليها، كما تختلف المصالح القانونيّة التي تستهدف حمايتها. ومن هنا، يعتبر ضو أنّه من غير المنطقيّ المطالبة بتعديل أحكامٍ تجرّم التعامل مع العدوّ على نحوٍ يمسّ حماية أمن الدولة. فالقوانين التي تعاقب على معاونته ليست، في جوهرها، قوانين مقاطعةٍ سياسيّة لإسرائيل تحديدًا، بل نصوصٌ تتعلّق بسيادة الدولة وأمنها. وعليه، فإنّ إزالة الحظر عن بعض أشكال التعامل مع إسرائيل لا تستلزم إلغاء أحكامٍ تعاقب على التجسّس أو معاونـة العدوّ. كما أنّ التفاوض الرسميّ الذي تجريه الدولة ضمن صلاحياتها يختلف من حيث طبيعته عن الأفعال الجرميّة التي تستهدفها هذه المواد. قانون 1955: المقاطعة ومسألة السلام أمّا قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، فهو تشريعٌ مختلف في منشئه وغايته ونطاق تطبيقه. وقد صدر في سياق سياسة المقاطعة العربيّة لإسرائيل، وحظر إبرام اتّفاقاتٍ مع أشخاصٍ أو هيئاتٍ إسرائيليّة أو تعمل لمصلحتها، متى تعلّق الأمر بصفقاتٍ تجاريّة أو عمليّات ماليّة أو تعاملاتٍ أخرى، كما حظر إدخال السلع والمنتجات الإسرائيليّة والاتّجار بها. وتُنظَّم متابعة تطبيق أحكام المقاطعة من خلال مكتب مقاطعة إسرائيل، المرتبط بوزارة الاقتصاد والتجارة، والذي نُظّمت أعماله بموجب المرسوم رقم 12562 الصادر عام 1963. وهنا يصبح التمييز أكثر دقّة. فقانون المقاطعة يستهدف العلاقة مع إسرائيل تحديدًا، ويعكس خيارًا سياسيًّا واقتصاديًّا اتّخذته الدولة في سياق الصراع العربيّ الإسرائيليّ. أمّا قانون العقوبات، فيتضمّن قواعد أوسع لحماية أمن الدولة من أعدا