يدخل لبنان مرحلةً من الترقّب السياسيّ والأمنيّ، وسط مخاوف متزايدة من اتّساع المواجهة مع إسرائيل، وانعكاس التوتّر الأميركيّ الإيرانيّ على الجبهة اللبنانيّة. وفيما تتقدّم المساعي القطريّة والفرنسيّة لتوفير مظلّة دبلوماسيّة تحول دون انزلاق البلاد إلى حربٍ جديدة، يبقى المسار التفاوضيّ عاجزًا عن إنتاج ضمانات فعليّة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة. وتزداد حساسيّة المرحلة مع المخاوف من توظيف رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو المناخ الانتخابيّ في إسرائيل لتبرير تصعيدٍ عسكريّ جديد، بالتزامن مع اقتراب استحقاق انتهاء مهمّة "اليونيفيل" والبحث عن ترتيبات أمنيّة بديلة في الجنوب. وبين الضغوط الأميركيّة المتصاعدة على الدولة اللبنانيّة، والتحرّكات الدبلوماسيّة العربيّة والأوروبيّة، تتكثّف محاولات احتواء التصعيد، من دون أن تتبلور حتّى الآن تسويةٌ تضمن استقرارًا مستدامًا. تتّجه الأنظار إلى الاجتماع الثلاثيّ المرتقب في تامبا، في 20 تشرين الأوّل الجاري، وسط تقديرات محدودة بإمكان تحقيق اختراقٍ في المسار التفاوضيّ بين لبنان وإسرائيل، في ظلّ استمرار الاعتداءات وتباعد المواقف حيال الترتيبات الأمنيّة المطلوبة. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّ الوفد العسكريّ اللبنانيّ سيشارك في الاجتماع، لطرح المطالب اللبنانيّة المتعلّقة بوقف التصعيد الإسرائيليّ، معربًا عن أمله في أن تُفضي المحادثات إلى نتائج تنسجم مع اتّفاق الإطار الذي جرى التوصّل إليه برعاية أميركيّة. وتتزامن هذه الاستحقاقات مع ضغوط أميركيّة متزايدة على بيروت لاتّخاذ إجراءات أكثر تشدّدًا على المستويات الأمنيّة والماليّة والاقتصاديّة في مواجهة "حزب الله"، ولا سيّما بعد ضبط شاحنة المتفجّرات في ضهر البيدر. وقد دخلت واشنطن على خطّ القضيّة، محذّرةً السلطات اللبنانيّة من إعادة المتفجّرات إلى الحزب، وداعيةً إلى محاسبة المتورّطين في نقلها وتمويلها. وتتجاوز تداعيات هذه القضيّة بعدها الأمنيّ المباشر، لتضع الحكومة أمام اختبارٍ سياسيّ يتّصل بقدرتها على تنفيذ قراراتها وبسط سلطتها، في مرحلة تتزايد فيها المطالب الخارجيّة المرتبطة بحصريّة السلاح ودور المؤسّسات الشرعيّة. الدوحة: تحرّك عربيّ لحماية الاستقرار في موازاة هذه الضغوط، شكّلت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجيّة القطريّ، الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى بيروت، محاولةً لتعزيز الحضور العربيّ في معالجة الأزمة اللبنانيّة، عبر دعم المؤسّسات وفتح قنوات إضافيّة للتعاون السياسيّ والاقتصاديّ. وتناولت مباحثاته مع المسؤولين اللبنانيّين الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة، إلى جانب الملفّات المعيشيّة وقطاع الكهرباء، في إطار تأكيد استعداد الدوحة لمواصلة دعم استقرار لبنان ومساعدته على تجاوز أزماته. وتندرج الزيارة ضمن تحرّك قطريّ أوسع يقوم على التنسيق مع الأطراف الإقليميّة والدوليّة، بالتوازي مع جهود الدوحة لتجنيب المنطقة مواجهةً جديدة بين الولايات المتّحدة وإيران. وأكّد آل ثاني دعم الجيش اللبنانيّ وضرورة تنفيذ القرار الدوليّ 1701، بما يشمل انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة ووقف الاعتداءات. كما أبدى استعداد قطر للتنسيق مع واشنطن في جهود إعادة إعمار الجنوب، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكّان إلى قراهم. ويكتسب التحرّك القطريّ أهميّته من محاولته الجمع بين الدعم الاقتصاديّ وتعزيز الاستقرار الأمنيّ، في ظلّ إدراكٍ متزايد بأنّ إعادة الإعمار وعودة الأهالي تبقيان مرتبطتَين بقدرة المساعي الدبلوماسيّة على تثبيت التهدئة. رجّي وعراقجي: الملفّات العالقة على طاولة البحث وعلى خطّ الاتّصالات الإقليميّة، التقى وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي نظيره الإيرانيّ عبّاس عراقجي، السبت، على هامش أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجيّة منظّمة التعاون الإسلاميّ، المنعقدة في بغداد. وأوضحت وزارة الخارجيّة اللبنانيّة أنّ اللقاء كان مطوّلًا، وشهد نقاشًا صريحًا بشأن الملفّات العالقة بين لبنان وإيران، إضافةً إلى العلاقات الثنائيّة والتطوّرات الإقليميّة. بدوره، أعلن رجّي عبر منصّة "إكس" أنّ المباحثات تناولت مختلف المواضيع وسبل معالجة المسائل العالقة بين البلدَين، فيما كانت وكالة "تسنيم" الإيرانيّة قد أفادت بعقد اللقاء بعد ظهر السبت، من دون الكشف عن تفاصيل إضافيّة بشأن نتائجه. باريس: ترتيبات جديدة لمنع الفراغ في الجنوب وفي سياق التحرّكات الدبلوماسيّة، وصل وزير أوروبا والشؤون الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو إلى بيروت، حيث التقى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في قصر بعبدا، على رأس وفدٍ فرنسيّ ضمّ الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة القوّات المسلّحة وقدامى المحاربين أليس روفو. وتكتسب الزيارة أهميّةً خاصّة مع اقتراب انتهاء مهمّة قوّات الأمم المتّحدة الموقّتة