في حادثة تتجاوز بأبعادها السياسية والأمنية حدود التوقيف العادي، ضجّت الأوساط اللبنانية والسورية بنبأ إعلان جهاز الاستخبارات العامة السوري إلقاء القبض على علي كيالي، المعروف باسم “معراج أورال”، قائد ما يُعرف بـ”الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون”. غير أن هذا البيان الرسمي، وعلى الرغم من حمولته السياسية، يطرح من الأسئلة الخطيرة أكثر مما يقدّم من إجابات. فكيف يُعقل أن تُقدَّم عملية اختطاف جرت في عقر دار المتن الشمالي في لبنان على أنها “عملية إلقاء قبض” استخباراتية في سوريا، وكأن السيادة اللبنانية مجرد التفافة جغرافية لا قيمة لها؟ بعيداً عن التحليلات الماورائية وحساب النيات، فإن الواقع الحتمي والواضح حتى اللحظة يتلخّص في أن مسلحين مجهولين أقدموا على اقتحام منزل علي كيالي في بلدة المنصورية المتنية، حيث كان يقيم باسم مستعار هو علي خليل إبراهيم، وقاموا بتكبيل زوجته ونجله واقتياده بالقوة إلى جهة مجهولة، ليطلّ علينا بعد ساعات بيان رسمي من جهاز الاستخبارات العامة السوري يعلن إلقاء القبض عليه. وهنا يبرز الاستهجان الأكبر. فلا يمكن، تحت أي ظرف، أن يُسمح بمرور هذا الحدث وكأنه أمر عادي أو بسيط، ولا يجوز للشارع اللبناني أو المراقبين الصمت عنه أو التعاطي معه بتبسيط. فلو كان الأمر يتم في إطار الأصول والقوانين والمرجعيات الدولية، أو حتى الاتفاقيات الثنائية بين البلدين، لكان الاعتقال قد جرى عبر القضاء اللبناني أو جهاز الأمن العام، ولكان قد أُعلن عن تسليمه رسمياً وفق القنوات القضائية والأمنية المختصة. أما أن تُنفَّذ العملية بأسلوب العصابات والمداهمات المجهولة، ثم يعلن جهاز الاستخبارات العامة السوري أنه ألقى القبض عليه، فهذا يضع الدولة اللبنانية وأجهزتها كافة أمام علامة استفهام وجودية: ماذا يُفترض بالمواطن أو المقيم أن يفعل عندما تتهاوى مظلة الحماية الرسمية؟ إن حادثة من هذا الوزن تقع في عمق قضاء المتن الشمالي لا تقل أهمية أو خطورة عن ضبط شاحنة متفجرات على طريق ضهر البيدر، بل تتجاوزها، لكون الجريمة هنا أكيدة ومكتملة الأركان وغير مبنية على النيات أو الاحتمالات، بل أُشهرت وأُذيعت في بيان رسمي علني أمام الجميع. ووفق معلومات خاصة لـ”ليبانون ديبايت”، فإن عملية الخطف لم تكن لتمرّ بهذه السهولة لولا وجود تسهيلات ميدانية على الأرض. وتكشف المعطيات عن مساهمة جهاز أمني تابع لأحد الأحزاب اليمينية النافذة في بلدة المنصورية في تسهيل حركة المجموعة المنفذة، بل إن المعلومات ترجّح مشاركة عناصر منه ميدانياً في العملية، إذ أفاد عدد من أبناء البلدة وسكان المحلة بسماعهم لهجة لبنانية محلية صريحة تحدث بها اثنان من المنفذين أثناء اقتحام المنزل واقتياد كيالي. هذا التقاطع بين أطراف محليين وأجهزة استخباراتية خارجية يعيد إلى الأذهان حقبات معينة من التاريخ اللبناني الحديث، ويفتح الباب أمام مخاوف جدية لدى قوى سياسية وفعاليات متعددة. وبحسب مصادر خاصة بـ”ليبانون ديبايت”، فإن هذا الانكشاف الأمني دفع أطرافاً وتيارات سياسية متنوعة إلى البدء بالتفكير الجدي في اللجوء إلى خيارات الأمن الذاتي، كلٌّ وفق ظروفه وحساباته. حلفاء النظام السوري السابق باتوا يتوجسون من تحولات المواقف وتقاطع المصالح التي قد تجعل منهم أوراقاً مكسورة أو صفقات أمنية خاطفة. والخصوم السياسيون للأحزاب التي سهّلت العملية يرى بعضهم في هذا السلوك تمهيداً لفرض معادلات أمنية جديدة في مناطقهم. وصولاً إلى الفعاليات المستقلة والمواطنين الذين فقدوا الثقة تماماً بقدرة الدولة اللبنانية على حمايتهم أو حماية مناطقهم، إذا ما قرر جهاز الاستخبارات العامة السوري أو غيره استهدافهم أو النيل من مصالحهم. وتزامن هذا الخرق الأمني مع تساؤلات دبلوماسية وسياسية حادة في بيروت حول أداء القائم بالأعمال السوري في لبنان، إياد الهزاع. فالرجل يتحرك ويستقبل في مقر السفارة نواباً ووزراء ومسؤولين أمنيين لبنانيين، في حركة غير مألوفة رسمياً، بما يشكّل خروجاً صريحاً عن الأعراف الدبلوماسية المتبعة، حيث يُفترض بالدبلوماسي أن يزور هو المسؤولين الرسميين في الدولة المستضيفة، وليس العكس. وهذا النمط من التصرفات يعيد إلى الأذهان الأدوار التي كان يلعبها رؤساء جهاز “الرصد والاستطلاع” في الدولة السورية سابقاً في لبنان، حين كانت القرارات السياسية والأمنية تُملَى من المكاتب بدلاً من الممرات الدبلوماسية. أمام هذه المهازل الأمنية والدبلوماسية، لم يعد الصمت اللبناني الرسمي مقنعاً ولا مقبولاً. فالاستهانة بها تحوّل الدولة إلى مجرد هياكل شكلية، والمطلوب اليوم ليس مجرد بيانات استنكار أو فتح تحقيقات شفهية تُطوى في أدراج لبنان الرسمي، بل موقف حاسم وتوضيح رسمي شفاف من الحكومة اللبنانية والأجهزة الأمنية والقضائية. كيف أُخرج شخص من المتن الشمالي إلى داخل الأراضي السورية؟