تكشف التطورات الأخيرة في ملف الكهرباء مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها. فمع ظهور عرض قطري لفتح مسار جديد لمعالجة الأزمة، سارعت “القوات اللبنانية” إلى تقديمه بوصفه ثمرة لجهودها، فيما كانت قد وضعت الحكومة، قبل أيام، أمام مواجهة سياسية على خلفية اعتكاف وزير الطاقة جو الصدي عن حضور جلسات مجلس الوزراء. وفي 16 تشرين الأول، نسب الصدي المقاربة القطرية إلى مسار عمل قال إنه بدأه مع الدوحة منذ أشهر. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه الجهود قد بدأت منذ أشهر، فلماذا وصل الملف إلى حد الاعتكاف؟ ولماذا لم تُترجم الاتصالات إلى نتائج عملية قبل بلوغ الأزمة هذا المستوى من التصعيد؟ فالإعلان عن مبادرة أو الإشارة إلى اتصالات مع جهة مانحة لا يكفيان لإثبات النجاح؛ المعيار هو تحويل الجهود إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وما يمكن أن تقدّمه فعلياً للمواطن الذي لا يزال يدفع فاتورتين للكهرباء. ولم يعد النقاش محصوراً في تفاصيل الحلول المطروحة، بل بات يتصل أيضاً بمحاولات تحديد المسؤوليات السياسية. فعندما تتعثر المعالجة، تصبح الحكومة مجتمعة في مرمى الاتهام، وعندما يظهر عرض خارجي أو تلوح فرصة جديدة، تُقدَّم باعتبارها ثمرة جهود طرف بعينه. وبين الحالتين، يغيب السؤال الأهم: ماذا أنجزت وزارة الطاقة؟ وما الذي لا يزال يحتاج إلى قرار؟ وأين تكمن العقبات الفعلية؟ وتبرز المفارقة أكثر عندما تنتقل “القوات” من تحميل الحكومة مسؤولية تعطيل الحلول إلى ربط الأزمة بملف السلاح، وكأن أزمة الكهرباء يمكن اختصارها بعنوان سياسي واحد. فحصر السلاح بيد الدولة قضية سيادية وأمنية أساسية، لكنه لا يعفي وزارة الطاقة من واجب تقديم خطة واضحة، ولا يغني الحكومة عن تأمين التمويل اللازم، ولا يفسّر وحده كل التعقيدات المالية والإدارية التي تعيق إصلاح القطاع. اعتاد اللبنانيون سماع وعود متكررة بتحسين الكهرباء، فيما بقيت التغذية محدودة والأعباء مرتفعة. لذلك، لا يحتاجون إلى مزيد من السجالات حول الجهة التي تستحق الفضل، بل إلى إجابات محددة: ما حجم الاستثمارات المطلوبة؟ وما الضمانات التي تطلبها الجهات المعنية؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتحقق النتائج؟ أما العرض القطري، فيبقى فرصة ينبغي التعامل معها بجدية وشفافية، من دون تحويلها إلى ملكية حصرية لأي طرف. فالنجاح لا يُقاس بمن يسارع إلى إعلان تبنّي المبادرة، بل بمن ينجح في نقلها من التصريحات إلى واقع يلمسه اللبنانيون. عندها فقط يمكن الحديث عن إنجاز، لا عن محاولة جديدة لتسجيل النقاط في ملف دفع المواطن ثمن إخفاقاته سنوات طويلة.