البطريرك الراعي في اليونان… حج إلى الجذور ورسالة من لبنان إلى العالم.. حسناء سعادة لا يمكن ادراج زيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي الى اليونان ضمن اطر الزيارات التقليدية او محطة من محطات متعددة في برنامج رأس الكنيسة المارونية اذ تحمل في أبعادها ما يتجاوز المكان والزمان، لتصبح مساحة للقاء الروحي والحوار الإنساني، وجسرا يصل بين تاريخين وثقافتين وشعبين. من هذا المنطلق، تكتسب الزيارة أهمية خاصة، باعتبارها أول زيارة لبطريرك ماروني إلى هذا البلد، بما تحمله من دلالات كنسية ووطنية وروحية. من أثينا إلى تسالونيكي، وصولًا إلى جبل آتوس المقدّس، تتوزّع الزيارة بين محطات الحج والصلاة واللقاءات الكنسية، في مشهد يعيد التأكيد أن الإيمان لا يبني الجدران بين الشعوب، بل يفتح النوافذ أمام التلاقي، وأن الحوار بين الكنائس ليس ترفاً لاهوتياً، بل حاجة إنسانية في عالم تتكاثر فيه الانقسامات والصراعات. وتكتسب اللقاءات مع رئيس أساقفة اليونان إيرونيموس ومسؤولي الكنيسة الأرثوذكسية أهمية تتخطى الإطار البروتوكولي، إذ تفتح المجال أمام تعزيز العلاقات بين الكنائس، وتثبيت ثقافة الحوار والسعي إلى الوحدة، من دون أن يفقد أي طرف خصوصيته وهويته وتاريخه. كما ان للزيارة وجهاً لبنانياً لا يقلّ أهمية، يتمثل في لقاء أبناء الكنيسة المارونية وسائر اللبنانيين المقيمين في اليونان برسالة قرب واحتضان، واعادة وصل ما ابعدته الجغرافيا وفرضته ظروف الحياة والاغتراب. زيارة البطريرك الراعي إلى اليونان هي رحلة كنسية تشكل فرصة لتجديد الحضور الماروني وتعزيز العلاقات بين الكنائس، وإبراز صورة لبنان القادر على مد الجسور، وإنه، على الرغم من أزماته، لا يزال قادراً على حمل رسالة تتجاوز حدوده إلى العالم اذا سنحت له الفرصة. ولعل ابلغ انتقاد وجهه البطريرك الماروني بشارة الراعي من جبل آتوس الى المسؤولين اللبنانيين جاء من خلال اشارته الى عمق الاختبار الروحي والإرث الثقافي اللذين يحتضنهما الجبل المقدس، مشيراً الى ان هذا التراث يحاكي تراثنا الديني في لبنان، ولا سيما في الوادي المقدس، وادي قنوبين، المصنف على لائحة التراث العالمي، شأنه شأن جبل آتوس. لكن، مع الأسف، ثمة فارق كبير بينهما، إذ يضج الجبل المقدس بالحياة، وينعم بشروط العيش والتنمية والعمران، فيما تُفرغ مواردنا من أهلها بفعل الإهمال والهجرة، على الرغم من التراث العظيم الذي صنعوه، وذلك بسبب غياب الدولة عن تحمّل مسؤولياتها.