لم تكن حادثة غاليري سمعان مجرد مواجهة بين دورية أمنية ومجموعة مسلحة حاولت منعها من تنفيذ مهمة قضائية، بل شكلت اختباراً لحدود سلطة الدولة في منطقة اعتاد حزب الله المطالبة بمراعاة ما يسميه "آلية التنسيق" قبل دخول الأجهزة الأمنية إليها. غير أن التطورات التي أعقبت الحادثة أظهرت أن هذه المعادلة بدأت تتآكل، وأن القضاء يتجه إلى توسيع نطاق ممارسة صلاحياته بعيداً من القيود الميدانية المفروضة عليه. فمدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج لم يكتفِ بالإصرار على استكمال المداهمة رغم محاصرة عناصر المباحث الجنائية المركزية، بل انتقل إلى خطوة قضائية إضافية، تمثلت بتسطير استنابات إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وقيادة الدرك والشرطة القضائية، لتحديد هويات المسلحين الذين شاركوا في عرقلة تنفيذ المهمة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز الحادثة نفسها، لأنها تنقل القضية من مجرد معالجة توتر أمني إلى مسار مساءلة الأشخاص الذين حاولوا تعطيل تنفيذ قرار قضائي، بمن فيهم عناصر ومسؤولون في حزب الله إذا أثبتت التحقيقات مشاركتهم أو مسؤوليتهم عن المحاصرة. وكان "ليبانون ديبايت" قد نشر الرواية الكاملة لما جرى داخل بناية الزغلول في غاليري سمعان، بعدما توجهت دورية من المباحث الجنائية المركزية لتنفيذ استنابة قضائية صادرة بناءً على إحالة من وزير الصحة ركان ناصر الدين، تتعلق بضبط أدوية مشمولة بقرار وزاري يقضي بشطبها من التداول ومنع بيعها. لكن المهمة تحولت إلى مواجهة بعدما حاصر مسلحون الدورية وحاولوا منع عناصرها من استكمال الإجراءات، قبل أن يتدخل الجيش اللبناني ويؤمّن المؤازرة اللازمة. وانتهت العملية بضبط الأدوية وختم المستودع بالشمع الأحمر، فيما استُكملت الإجراءات القضائية بحق المشاركين في عرقلة المهمة. وفي محاولة لتفسير ما جرى، نفى حزب الله علاقته بالمستودع ومحتوياته، معتبراً أن الإشكال ناجم عن عدم اعتماد "الآلية المتفق عليها" لتنفيذ المداهمات في المنطقة. إلا أن هذا التبرير فتح نقاشاً أوسع حول طبيعة التنسيق وحدوده، وما إذا كان إجراءً أمنياً لتسهيل عمل الأجهزة، أم تحول عملياً إلى شرط مسبق لممارسة صلاحياتها. فالتنسيق، مهما كانت دوافعه الميدانية، لا يمنح جهة حزبية صلاحية تعطيل استنابة قضائية، ولا يجيز منع الضابطة العدلية من تنفيذ تكليف صادر عن المرجع القضائي المختص. ومن هنا تبرز دلالة موقف مدعي عام التمييز الذي أصر على تنفيذ المهمة، ثم كلّف الأجهزة تحديد هويات المشاركين في عرقلتها. واللافت أن القضاء لم يتراجع أمام الضغط المسلح، بل تمكنت الدورية من استكمال مهمتها، فيما انتقلت المواجهة إلى مسار التحقيق والمساءلة. وهي سابقة مهمة في سياق العلاقة بين المؤسسات الأمنية والقضائية وحزب الله، وإن كان الحكم على نتائجها النهائية يتوقف على ما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات اللاحقة. كما أن القضية تحمل بعداً صحياً لا يقل أهمية عن بعدها الأمني. فالمداهمة لم تكن مرتبطة بنشاط سياسي أو عسكري، بل بأدوية تقرر منع تداولها وبيعها، ما يجعل محاولة عرقلة ضبطها مسألة تتصل أيضاً بحماية صحة المواطنين وتنفيذ قرارات وزارة الصحة. أما الاختبار المقبل، فيتمثل في قدرة الأجهزة المكلفة تنفيذ الاستنابات الجديدة على تحديد هويات المشاركين في المحاصرة، وتوضيح أدوارهم، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة بحق من تثبت مسؤوليتهم. وبذلك، تبدو حادثة غاليري سمعان مؤشراً إلى تحول يستحق المتابعة: فالقضاء، ممثلاً بمدعي عام التمييز، أثبت قدرته على تمديد سلطة القانون إلى مساحة كانت تشهد قيوداً ميدانية مرتبطة بالتنسيق الأمني، فيما باتت فعالية هذا التنسيق موضع اختبار متزايد. ويبقى السؤال الأهم ليس فقط من يملك قرار المداهمة في الضاحية، بل ما إذا كان ما جرى سيؤسس لقاعدة ثابتة تتيح للأجهزة الأمنية تنفيذ القرارات القضائية من دون الحاجة إلى موافقات غير منصوص عليها في القانون، أم سيبقى نجاحاً محصوراً بحادثة واحدة.