يواجه مشروع استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة عقبة غير متوقعة، بعدما كشف تقرير فني لمنظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" عن ثغرات في إجراءات السلامة والرقابة داخل مطار رفيق الحريري الدولي، قد تؤخر تنفيذ القرار الأميركي بإعادة فتح الخط الجوي بعد انقطاع استمر أكثر من 40 عاماً. وبحسب تحقيق نشرته وكالة "رويترز"، فإن بعثة فنية أوفدتها المنظمة الدولية إلى لبنان في تموز الماضي، بناءً على طلب السلطات اللبنانية، رصدت مجموعة من النواقص التي تتجاوز التجهيزات التشغيلية لتشمل منظومة الإشراف على سلامة الطيران المدني. وقد تسلمت السلطات اللبنانية التقرير في أيلول، قبل الكشف عن أبرز مضمونه إعلامياً في 16 تشرين الأول. وأبرز ما تضمنه التقرير انتهاء صلاحية شهادة الاعتماد المشروطة لمطار بيروت، وعدم توافر خطة طوارئ مستوفية للمتطلبات، فضلاً عن عدم كفاية تجهيزات مكافحة الحرائق للتعامل مع الطائرات العريضة البدن المستخدمة عادة في الرحلات الطويلة، رغم ملاءمتها للطائرات الأصغر حجماً ذات الممر الواحد. ولم تتوقف الملاحظات عند هذا الحد، إذ أشار التقرير إلى نقص في المفتشين المؤهلين للإشراف على تراخيص مراقبي الحركة الجوية، وعدم وجود هيئة مستقلة ومكتملة الصلاحيات للتحقيق في حوادث الطيران، بما ينسجم مع المعايير الدولية. ووصف ملخص التقرير مسألة الاعتماد بأنها خطيرة وتستوجب معالجة عاجلة للحفاظ على الوضع التشغيلي للمطار، وهو توصيف يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة منذ تسلمها الملاحظات، ومدى جاهزيتها لتلبية الشروط المطلوبة. وتأتي هذه المعطيات في توقيت بالغ الحساسية، بعدما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيلول الماضي قراراً يرفع القيود الأميركية المفروضة على الرحلات المباشرة إلى لبنان منذ حادثة خطف طائرة "TWA" عام 1985. وقد اعتُبر القرار خطوة أساسية نحو إعادة ربط بيروت بالولايات المتحدة جوياً، ولا سيما بالنسبة إلى المغتربين اللبنانيين الذين يضطرون حالياً إلى السفر عبر مطارات وسيطة. إلا أن رفع الحظر لا يعني السماح تلقائياً بتسيير الرحلات، إذ لا تزال هناك متطلبات تنظيمية وفنية وأمنية تستوجب موافقة الجهات الأميركية المختصة، وفي مقدمها إدارة الطيران الفيدرالية "FAA" وإدارة أمن النقل "TSA". وفي هذا الإطار، نقلت "رويترز" عن مسؤولين بارزين في قطاع الطيران توقعهم أن تؤدي الملاحظات الفنية إلى تأخير استئناف الرحلات. كما أفاد 3 مسؤولين في شركات طيران أميركية بأنهم لا يتوقعون عودة شركاتهم إلى بيروت في المدى القريب، بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالأوضاع الإقليمية. في المقابل، أكد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن السلطات اللبنانية باشرت معالجة الثغرات، مشيراً إلى أن معظم الملاحظات كانت معروفة لدى الجهات المختصة وأن إجراءات تصحيحية انطلقت بالفعل، لكن الحرب أخّرت تنفيذها. وأوضح أن العمل على إعادة اعتماد المطار سيبدأ في 17 تشرين الأول، مع توقع إصدار شهادة اعتماد مشروطة جديدة خلال أيام. غير أن إصدار هذه الشهادة، في حال حصوله، لا يعني تلقائياً معالجة سائر الملاحظات أو الحصول على الموافقات الأميركية المطلوبة. وتبرز هنا مسألة أساسية تتجاوز إعادة تشغيل خط جوي، وتتعلق بإدارة قطاع الطيران المدني في لبنان. فالتقرير لم يكشف فقط عن حاجات تقنية يمكن تلبيتها بشراء معدات أو تحديث تجهيزات، بل أشار أيضاً إلى ثغرات مؤسساتية مرتبطة بالرقابة والتحقيق في الحوادث، وهي مسائل تستوجب إجراءات تنظيمية وإدارية مستقلة. كما يطرح توقيت تسلم التقرير في أيلول سؤالاً حول خطة المعالجة التي وضعتها الوزارة والسلطات المختصة، والمراحل التي أنجزت منها، خصوصاً أن ملف الرحلات المباشرة مع الولايات المتحدة كان قد دخل مرحلة التحضير الفعلي. اقتصادياً، فإن استمرار التعثر يعني بقاء المسافرين بين لبنان وأميركا معتمدين على الرحلات غير المباشرة، وما يرافقها من أوقات سفر أطول وتكاليف إضافية محتملة، فيما يعوّل لبنان على استعادة خطوط النقل الدولية لتعزيز السياحة وحركة المغتربين والاستثمار. ومع ذلك، لا بد من التمييز بين الملاحظات الفنية الواردة في تقرير "إيكاو" وبين صدور قرار بإقفال المطار أو منع الرحلات إليه. فالتقرير لا يعني توقف العمليات الجوية الحالية، كما لم يصدر، وفق المعلومات المتاحة، قرار أميركي جديد بإلغاء مسار استئناف الرحلات المباشرة. لكن ما كُشف يضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية واضحة: إثبات معالجة الثغرات بمستندات واعتمادات رسمية، وتحديد المهل اللازمة لاستكمال التجهيزات والمتطلبات الرقابية، بالتوازي مع متابعة الشروط الأمنية الأميركية. وبين القرار السياسي الأميركي الذي فتح الباب أمام عودة الرحلات، والتقرير الدولي الذي كشف العوائق الفني