من أين تستمد الشعبوية جرأتها على تقديم المعلومات المزيفة باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش، وعلى مصادرة المعرفة العلمية القائمة على البحث والتجربة والمقارنة والاستنتاج، لتحل محلها أحكام قطعية لا تحتاج إلى برهان، ولا يخضع أصحابها لأي مساءلة عن نتائجها؟ ليست هذه الجرأة مجرد تعبير عن الجهل أو ضعف المعرفة، بل هي في كثير من الأحيان نتاج علاقة متشابكة بين السلطة والمصالح والقدرة على التأثير في الوعي الاجتماعي، بحيث تصبح الحقيقة أقل أهمية من قدرة الخطاب على استمالة الجمهور، ويغدو تكرار المعلومة بديلاً عن التحقق منها، والانتماء إلى الجماعة معياراً لتحديد صحتها. والشعبوية، بهذا المعنى، لا تقتصر على استخدام لغة بسيطة للوصول إلى الناس، بل تبدأ خطورتها عندما تتحول القضايا المحقة إلى أدوات لتبرير خيارات لا تخدم بالضرورة أصحاب تلك القضايا. فالدفاع عن القضية الفلسطينية حق مشروع، كما أن مقاومة الاحتلال حق تؤكده مبادئ تقرير المصير، لكن مشروعية الحق لا تمنح تلقائياً المشروعية لكل وسيلة تعتمد باسمه، ولا تعفي أصحاب القرار من تقييم النتائج وموازنة الإمكانات وحساب الخسائر ومراجعة الخيارات. وتبلغ المفارقة ذروتها عندما تتحول ممارسة الحق إلى مسار يستنزف المقومات الضرورية لحمايته، فتتراجع قدرة المجتمع على الصمود، وتضعف مؤسسات الدولة، وتتآكل الموارد الاقتصادية والبشرية التي تشكل أساس أي مواجهة طويلة الأمد. ولا يمكن فصل هذا النمط من التفكير عن التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي والتطور المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فقد أتاحت هذه الوسائل إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة، لكنها وفرت أيضاً أدوات لنشر الادعاءات وتضخيمها بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التعليمية والإعلامية والبحثية على التحقق منها. وتكاثر المتحدثون في مختلف القضايا، من الاقتصاد والسياسة إلى التاريخ والعلوم والاجتماع، حتى بات التمييز بين الباحث والمتخصص وصاحب الرأي العابر أكثر صعوبة في فضاء تتساوى فيه ظاهرياً المنابر، وإن لم تتساوَ المعارف والكفاءات. وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المجتمعات التي تستورد التكنولوجيا دون أن تطور بالقدر نفسه مؤسسات إنتاج المعرفة وأساليب التفكير النقدي. فبدلاً من أن تصبح التكنولوجيا وسيلة لتحرير المجتمع من احتكار المعلومات، يمكن أن تتحول إلى أداة جديدة لإخضاعه لفيض متواصل من الخطابات المتناقضة، حيث تكتسب المعلومة صدقيتها من كثرة تداولها أو من هوية قائلها، لا من الأدلة التي تسندها. في لبنان، لا تبدو هذه الظاهرة مجرد مشكلة ثقافية أو إعلامية، بل تكاد تكون إحدى الآليات التي تحكم إدارة الشأن العام. فالخطاب الشعبوي لا يكتفي بتفسير الأزمات بعد وقوعها، بل يشارك في صناعتها وإدامتها، من خلال تعطيل الحلول الممكنة وتشويه البدائل وتقديم المصالح الفئوية باعتبارها دفاعاً عن حقوق المواطنين أو سيادة الدولة أو حماية الفئات الفقيرة. ولعل أزمة الكهرباء تقدم أحد أكثر النماذج وضوحاً على النتائج الكارثية لهذا النهج. فهي ليست مجرد أزمة خدمة عامة تعثرت الدولة في تأمينها، بل كارثة اقتصادية واجتماعية ممتدة، استنزفت المالية العامة ورفعت تكاليف الإنتاج وأرهقت الأسر والمؤسسات، وساهمت في إضعاف قدرة الاقتصاد اللبناني على المنافسة والاستمرار. لقد تحولت الكهرباء، التي يفترض أن تكون أحد المقومات الأساسية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، إلى عبء يومي يلاحق اللبنانيين في منازلهم وأعمالهم ومؤسساتهم التعليمية والصحية. ولم تعد كلفتها تقتصر على ما يدفعه المواطن مقابل استهلاكه، بل تشمل الموارد العامة التي استخدمت لتغطية عجز القطاع، والأموال التي ينفقها على المولدات الخاصة، والخسائر الناجمة عن انقطاع التيار، فضلاً عن الأضرار البيئية والصحية المرتبطة بالاعتماد الواسع على المحروقات. وتكشف الأرقام حجم هذه الكارثة. فقد قدّر البنك الدولي الكلفة التراكمية للتحويلات المرتبطة بقطاع الكهرباء بنحو أربعين مليار دولار حتى عام 2020، وبلغت تحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان ذروتها عام 2012 بنحو 2.2 مليار دولار، أي ما يعادل حوالى 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك. كما بلغت خسائر شبكة الكهرباء، التقنية وغير التقنية، نحو 40 في المئة عام 2023. وهذه المؤشرات لا تعبّر عن خلل إداري عابر، بل عن استنزاف طويل الأمد للموارد العامة، كان يمكن توجيه جانب كبير منها إلى تطوير البنية التحتية والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية. ويصبح الرقم بعد 2020 مضاعفا عن الأربعين مليار اذا ما اضفنا اليه ما يدفعه المواطن على كلفة تأمين الكهرباء من المولدات وغيرها . وبهذا المعنى، تشبه أزمة الكهرباء، في بعض نتائجها الاقتصادية والاجتماعية، فعل التدمير الذي تتعرض له البيوت والقرى والمؤسسات بفعل الاعتداءات والحروب، مع اختلاف ا