المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI بقلم : منذر الأيوبي، عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب مدونة الكاتب العميد منذر الأيوبي المشهد السياسي في لبنان ـ بين الوصاية الإستراتيجية والموروث التاريخي تُظهِر المقاربتان الأميركية والفرنسية تجاه الأزمة اللبنانية تبايناً جوهرياً في الدوافع والأدوات والأهداف خلال إدارة هذه المرحلة الإقليمية والوطنية الحرجة. ورغم أن لواشنطن اليد العليا، إلا أنه لا انكفاء كاملاً لباريس على خلفية تطابق العناوين الكبرى المتعلقة بدعم استقرار لبنان ومؤسساته العسكرية والرسمية. فكلاهما يعمل وفق رؤية مغايرة تُعيد رسم التوازنات الميدانية والسياسية، في ظل التصعيد الإقليمي والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وتآكل الفاعلية لآليات تنفيذ القرار الأممي 1701. تنظر واشنطن إلى لبنان من خلال ارتباطه الأوسع بمعادلات الصراع الإقليمي، وفي مقدّمها أمن إسرائيل، والحد من النفوذ الإيراني، ومنع تحوّل الجبهة اللبنانية مصدر تهديد استراتيجي دائم، مُديرةً الملف بعقلية الهندسة الأمنية عبر أدوات الضغط المباشر والعقوبات واشتراط الإصلاحات الهيكلية الصارمة. معتبرةّ الأولوية للنتائج الميدانية المُحققة، بما يضمن، من وجهة نظرها، تغييراً مستداماً في معادلات الردع والانتشار العسكري على الحدود. في المقابل، تستند باريس إلى رصيد تاريخي وسياسي واسع، ما يتيح لها الاحتفاظ بهامش من الحركة الدبلوماسية لا يتوافر بالدرجة نفسها لواشنطن. وهي إذ تسعى للحفاظ على دورها الإقليمي والأوروبي، بالتوازي مع دعم استقرار لبنان وحماية تركيبته المتنوعة وتوازناته الداخلية، تواظب على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى المحلية. غير أن هذه المقاربة لا تعني أن باريس قادرة بمفردها على موازنة النفوذ الأميركي أو فرض تسوية على إسرائيل، بقدر ما تعكس سعيها إلى إبقاء مساحة سياسية للتفاوض تحول دون اختزال مستقبل لبنان في المعادلات العسكرية وحدها. سياقآ؛ تتجلى الفوارق الإجرائية في كيفية التعاطي مع التطورات العسكرية والترتيبات الأمنية جنوبآ؛ إذ تسعى واشنطن لتكريس أحاديتها عبر قيادة المسار التفاوضي بصورة مباشرة، وتوظيف نتائج الميدان لفرض ترتيبات أمنية صارمة (إتفاق الإطار الثلاثي) تضمن مصالح تل أبيب وتدفع باتجاه تفكيك العُقد العسكرية جنوب نهر الليطاني. فيما تقود باريس نوعآ من المبادرة الأوروبية الدائمة والتغطية الدبلوماسية لبيروت متمسكة بالمظلة الأممية، حمايةً للسيادة اللبنانية بما يحد من مخاطر الفراغ الأمني. ولا ينحصر الاختلاف هنا في الأهداف المعلنة، بل يمتد إلى ترتيب الخطوات المطلوبة، والجهة التي تتولى تنفيذها، والضمانات التي ينبغي أن تحكم التزامات الأطراف المعنية. بالتوازي، لا تبدو المقاربة الأوروبية تجاه لبنان كتلة صلبة واحدة، إذ تتداخل مع الحسابات الأميركية والفرنسية مواقف متباينة لعواصم أوروبية فاعلة، تتقاطع مواقفها في بعض الملفات وتتباين في أخرى: تربط المانيا سياستها الشرق اوسطية باعتبارات أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب والحد من نفوذ حزب الله، بالتوازي تشارك في الجهود الدولية المرتبطة باليونيفيل، بما فيها المساهمة البحرية. إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي والمساعدة التقنية للمؤسسة العسكرية. وتبقى هذه المساهمة محكومة بالتفويضات الدولية والالتزامات الأوروبية.. أما بريطانيا، فتحافظ على تنسيق وثيق مع واشنطن في الملفات الأمنية والإقليمية، مسثمرةّ في دعم قدرات الجيش اللبناني، بما في ذلك برامج التدريب مع توفير الإمكانيات التقنية لتعزيز المراقبة وضبط الحدود سيما الشمالية والشرقية. متمسكةّ في آن بموقف متشدد تجاه السلاح خارج سلطة الدولة. هذا التداخل في التحرك الأوروبي لا يقوم على رؤية موحدة؛ مع ذلك، لا يجب المبالغة في تصوير هذه الأدوار باعتبارها محاور متنافسة، إذ تتقاطع جميعها ولو بدرجات متفاوتة، عند هدف تعزيز الاستقرار ومنع اتساع المواجهة. من جهة أخرى، تُعد المبادرات المطروحة لتشكيل بنية أمنية دولية مشتركة لإدارة الوضع الحدودي نقطة كاشفة لحدود التوافق الغربي. فتطوير آليات التحقق وتعزيز دور لجنة وقف الأعمال العدائية المعروفة بـ«الميكانيزم» يصطدم بعقبات جوهرية تتصل بالسيادة الوطنية، وانعدام الثقة وغياب الضمانات في ظل تفاوت هائل في موازين القوى، فضلاً عن الخلاف حول الآلية التبادلية بين الإجراءات الأمنية المطلوبة وضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب الجيش الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية. في السياق؛ تصر واشنطن وتل أبيب على صلاحيات تفتيش وتنفيذ صارمة وشاملة؛ تتمسك باريس بضرورة إعطاء الدولة اللبنانية والجيش الدور الأساسي في تنفيذ الالتزامات على الأرض، ضمن مسار متدرج يحفظ سلطة المؤسسات الشرعية ويحدّ من احتمالات الانقسام الداخ