ترأّس البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك، قداساً إلهياً احتفالياً بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإعلان قداسة المطران إغناطيوس مالويان، وذلك في كاتدرائية القديسين غريغوريوس المنوّر وإيليا النبي للأرمن الكاثوليك، في ساحة الدبّاس – وسط بيروت. وأُقيم الاحتفال بحضور وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، ممثّلاً رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، والنائب هاكوب بقرادونيان، ممثّلاً رئيس مجلس النواب نبيه برّي. كما شارك في القداس البطريرك يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك، وعدد من رؤساء الكنائس والمطارنة، إلى جانب عدد من النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وممثّلي القيادات العسكرية والأجهزة الأمنية، وممثّلي الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية والأحزاب الأرمنية، فضلاً عن شخصيات رسمية ودبلوماسية وسياسية واجتماعية، وحشد من الإكليروس والرهبان والراهبات والمؤمنين. وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك ميناسيان عظةً قال فيها: "إن وقعت حبّة الحنطة في الأرض وماتت، أتت بثمرٍ كثير" (يوحنا 12: 24). رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، الممثَّلَين بوزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ممثّلاً بالنائب هاكوب بقرادونيان، رؤساء الكنائس والمطارنة، إخوتنا في الأسقفية والكهنوت والحياة المكرّسة، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء بالمسيح، لقد مرّ عام على إعلان الكنيسة الجامعة في روما قداسة المطران الشهيد إغناطيوس مالويان. واليوم، نجتمع حول مذبح الربّ لنرفع الشكر لله الذي حوّل أمانة هذا الراعي إلى شهادةٍ حيّة تتخطّى حدود الزمان والمكان. إنّ إعلان القداسة ليس مجرّد تكريمٍ لإنسانٍ تميّز ببطولته، بل اعترافٌ بعمل نعمة الله في حياته، ودعوةٌ إلى الكنيسة كي تتجدّد على مثال إيمانه. فالقدّيس لا يُضاف إلى تاريخ الكنيسة ليزيّن صفحاتها، بل ليذكّر أبناءها بأنّ الإنجيل قابلٌ لأن يُعاش، وأنّ القداسة ثمرة الاتحاد بالمسيح. إنّ سرّ الشهادة المسيحية ينبع من سرّ الصليب والقيامة. فالمسيح، الذي بذل ذاته حبّاً بالعالم، حوّل الصليب من أداة موتٍ إلى ينبوع خلاص، وجعل من القيامة انتصار الحياة على الخطيئة والموت. وفي هذا النور نفهم شهادة القديس مالويان، الذي واجه الاضطهاد بثبات في الإيمان وحرية الضمير، ورفض أن ينكر المسيح لينقذ حياته، لأنّه أدرك أنّ الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد سنواتها، بل بعمق الأمانة لله. لقد عاش كلمة الربّ: "مَن أضاع حياته من أجلي وجدها" (متى 10: 39). لقد استطاع مضطهدوه أن ينتزعوا منه حياته الأرضية، لكنّهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا منه المسيح. وما ظنّوه نهايةً أصبح، بنعمة الله، شهادةً باقيةً في ضمير الكنيسة. إنّ عظمة الشهيد لا تكمن في موته، بل في المحبّة التي حملها حتى الموت. فالدم الذي يُبذل شهادةً للمسيح لا يطلب الانتقام، بل يعلن أنّ المحبّة أقوى من الكراهية. إنّ القديس إغناطيوس مالويان هو ابن شعبٍ أرمنيٍّ حمل في ذاكرته آلام الإبادة والتهجير، لكنه لم يفقد جذوره الروحية ولا رجاءه بالمستقبل. وإذ نكرّم اليوم أحد أعظم شهود إيماننا، نؤكّد أنّ الوفاء للشهداء يقتضي الحفاظ على الحقيقة التاريخية، والمطالبة بالعدالة، والعمل لكي لا تتكرّر المآسي التي تنتهك كرامة الإنسان وحقّه في الحياة والحرية. فالذاكرة التي لا تقود إلى العدالة تبقى جرحاً، والعدالة التي لا تفتح طريق السلام تبقى ناقصة. إنّ شهادة مالويان، وإن وُلدت من معاناة شعبٍ معيّن، أصبحت إرثاً للكنيسة الجامعة ورسالةً لكلّ إنسانٍ يرفض أن يخضع ضميرَه للظلم. وهذه الشهادة تضع أمامنا نحن الرعاة مسؤوليةً خاصة. فالقديس مالويان لم يفهم الأسقفية كرامةً تمنحه امتيازاً، بل رسالةً تلزمه بأن يبقى أميناً للمسيح وللشعب الذي اؤتمن عليه. لقد جسّد صورة الراعي الصالح الذي "يبذل نفسه في سبيل الخراف" (يوحنا 10: 11). إنّ سلطة الراعي في الكنيسة لا تستمدّ قوّتها من موقعه، بل من صدق خدمته؛ ولا تُقاس بقدرته على إصدار الأوامر، بل باستعداده لأن يحمل آلام شعبه ويصون وحدته. ومن هنا، فإنّ كنيسة الشهداء مدعوّة إلى أن تكون كنيسةً تصغي قبل أن تتكلّم، وتخدم قبل أن تطالب، وترافق أبناءها في معاناتهم، وتفتح أبواب الرجاء أمام الذين أثقلتهم صعوبات الحياة. من قلب بيروت، نتوجّه اليوم إلى لبنان، الوطن الذي استقبل أبناء الشعب الأرمني، فوجدوا فيه بيتاً وأماناً، وأسهموا بإخلاص في نهضته وحياته الوطنية. نتوجّه بتحيّة تقدير إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ممثّلاً بوزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، ونقول له، عبر ممثّله: إنّنا نرى في رئاسة الجمهورية ضمانةً