سافر فارس اليوم.منذ ساعات قليلة، حمل حقيبته وغادر إلى فرنسا لاستكمال دراسة الموسيقى في مدينة ليل.وأنا أراقبه يذهب، تذكّرت كتب التعبير الكتابي و"مدخل إلى التعبير السليم" التي كنا نقرأها على مقاعد الدراسة. كانت تمرّ فيها نصوص يكتبها أب إلى ابنه أو ابنته وهما يستعدان للسفر إلى الخارج لإكمال الدراسة. نصائح عن الغربة والحياة والعلم والأخلاق والنجاح، يكتبها أب حكيم يعرف تماماً ماذا يقول.كنت أقرأها كأي موضوع تعبير مطلوب للامتحان.لم يخطر في بالي يومها أنني سأصبح ذلك الأب.والمشكلة أنني وصلت إلى هذه اللحظة من دون أن أصبح حكيماً بما يكفي.ماذا يقول أب لابنه عندما يصبح الابن أكبر من حاجته إلى وصايا أبيه؟لا أعرف.أعرف فقط أن مشاعر كثيرة ازدحمت في داخلي وأنا أراه يغادر.فرحت لأنه خرج من لبنان، من أتون الأزمات المتتالية والموت البطيء وانسداد الأفق والإحباط والجو المعلّق منذ سنوات بين الحرب واللاسلم.وفرحت أكثر لأنه خرج من العش نفسه، من مساحة الأمان العائلية وكنف أبويه، إلى الحياة بحلوها ومرّها.ثم خفت.وهذا طبيعي، على ما أظن. فالآباء يمضون نصف أعمارهم يحاولون تعليم أولادهم الطيران، ثم يصابون بالهلع عندما يطيرون.لكن فارس كان قد حسم هذه المسألة منذ الثالثة من عمره.سألته أمه يومها، من باب اختبار منطقه الطفولي:- هناك عصفور صغير على الأرض، وشجرتان كبيرتان. تقف أم العصفور على شجرة، وأبوه على الشجرة الثانية. إلى أين يطير العصفور الصغير؟- أجاب من دون تردد: "بيطير ع شجرة صغيرة... وبيطيروا إمّه وبيّه لعندو".لم يختر شجرة أمه. ولم يختر شجرتي. اختار شجرته، وطلب منا أن نأتي إليه.كان في الثالثة، ويبدو أنه فهم الاستقلال قبلي بسنوات طويلة.كبر فارس بالطريقة نفسها تقريباً. هنيّاً، هادئاً، خفيف الظل. لا أذكره يبكي في طفولته سوى مرة واحدة بسبب مغص قوي انتهى بعد وقت قصير. ثم لم أعد أسمعه يبكي.كان يحب المدرسة أيضاً، وهذه وحدها كانت كافية لأشك في أنه لا يشبهني كثيراً.أنا بدأت علاقتي المضطربة بالتعليم منذ الصف الثاني الابتدائي، عندما علّقت معلمة الدين على ظهري لافتة كتبت عليها: "هذا تلميذ كسول"، لأنني لم أحفظ آية قرآنية.المسكينة لم تكن تعرف أن أبي شيوعي من كفرشوبا، وأن أمي شيوعية من الخيام أيضاً، وإن كانت هويتها تقول إنها شيعية. أما أنا، فلم أكن قد اكتشفت بعد أن ثمة فرقاً بين الكلمتين.ولم أكن أعرف ما علاقة كل ذلك بالآية التي لم أحفظها، ولا لماذا وضعوني، من الأساس، في مدرسة اسمها "عائشة أم المؤمنين!".أما جدول الضرب، فلم أحفظ معظمه حتى اليوم، كرهاً بمعلمة الرياضيات المرعبة. هذه واحدة من انتصاراتي التربوية القليلة التي دفعت ثمنها طوال حياتي.فارس كان على الضفة الأخرى تماماً.كان التعلم مساحة فرح له منذ طفولته. تفوق في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وحصل على إعفاءات متفاوتة من الأقساط المدرسية بسبب تفوقه. وعندما اختار الموسيقى، لم يكن في البيت إرث موسيقي ينتظره. أمه ليست موسيقية، وأنا بالتأكيد لست موسيقياً، ولا أعرف في العائلة موسيقياً يمكن تحميله المسؤولية.خرجت الموسيقى من مكان ما فيه.وفي أول "كونسرت" له، كان في الخامسة. جلس أمام البيانو على كرسي أكبر منه، وقدماه الصغيرتان لا تطالان الأرض. ثم بدأ يعزف بثقة رجل يبدو كأنه أمضى حياة سابقة كاملة على المسرح.ومضى في الطريق.تفوق في الكونسرفتوار في لبنان بامتياز مع مرتبة الشرف. وكان بإمكان تفوقه الدراسي في الثانوية أن يأخذه إلى اختصاصات كثيرة يحلم بها آخرون. لكنه اختار الموسيقى. واختار فرنسا.لم نتدخل.أعتقد أن واحدة من الخدمات القليلة التي يستطيع الأهل تقديمها لأولادهم هي أن يعرفوا متى يتركونهم وشأنهم.منذ الصف الثاني الثانوي، بدأ فارس يعطي دروس البيانو للأطفال والشباب. كان في عمر يفترض أن يأخذ فيه مصروفه من أبيه، فصار يكسب ماله بنفسه.ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، لم أعطه مصروفاً.حدث العكس أحياناً.كنت أستدين منه بعض المال عندما تضيق الأمور في آخر الشهر، وأعيده إليه عندما يصل راتبي في أوله.لا أعرف ما إذا كان هذا يدخل ضمن المناهج الحديثة لتعليم الأبناء الاستقلال المالي، لكنه نجح معنا على أي حال.من تلك الدروس، جمع فارس كلفة سفره كاملة، ومصروف إقامته وسكنه لشهرين. علّم أطفالاً كيف يضعون أصابعهم على مفاتيح البيانو، ووضع قرشاً فوق قرش، حتى اشترى لنفسه تذكرة إلى حياته.هنا تحديداً، أفكر في نفسي عندما كنت في عمره.كنت أعمل في ورش البناء. أحمل الرمل وأكياس الإسمنت والبلاط وأصعد بها على أدراج المباني لأؤمّن بعض المال.كنت أعمل كثيراً.وأركض كثيراً.ولا أعرف تماماً إلى أين أذهب.أما هو، فمنذ نحو أربع سنوات، كان يجمع المال من تعليم البيانو وهو يعرف لماذا يجمعه، وإلى أين يريد أن يصل.ربما لهذا أقول دائماً إن أولادنا يجب أن يكونوا نسخاً متطورة عنا.وإلا، ما جدوى ك