على مدى 42 عاماً، عاشت مريم جموس على أمل معرفة مصير زوجها سليمان مراد جموس، أحد أبرز مسؤولي الطائفة اليهودية في لبنان، الذي اختُطف في بيروت عام 1984 واختفت أخباره منذ ذلك الحين. ومع دخول ملف اليهود المفقودين في لبنان على خط المفاوضات الجارية بين بيروت وتل أبيب، تجدد أملها بعودته، لكنها رحلت في يوم الغفران اليهودي الأخير، من دون أن تعرف ما حلّ به. وفي تقرير نشره موقع "يدعوت احرونوت" الإسرائيلي، كشف الصحافي ليئور بن آري تفاصيل قصة مريم، التي بدأت حياتها في دمشق، قبل أن تنتقل إلى لبنان وتتزوج أحد أبرز وجوه الطائفة اليهودية، لتجد نفسها لاحقاً وسط ملفات الاختطاف والتهريب والحرب الأهلية. وبحسب التقرير، تسعى إسرائيل إلى إدراج قضية 12 يهودياً لبنانياً اختُطفوا خلال ثمانينيات القرن الماضي ضمن المفاوضات مع لبنان، بهدف تحديد مصيرهم واستعادة رفاتهم. ويأتي اسم سليمان جموس في مقدمة القائمة، وفق ما يؤكده نجله موشيه. وتكشف رواية الابن أن والدته كانت ناشطة في عمليات تهريب فتيات يهوديات من سوريا إلى إسرائيل، مستفيدة من عملها ممرضةً متنقلة، ما أتاح لها التحرك ليلاً. وقد اعتُقلت مرتين في سوريا وسُجنت عدة أشهر، قبل أن تنجح في مغادرتها ضمن مجموعة وصلت إلى لبنان، حيث قررت البقاء. وفي بيروت، تعرّفت إلى سليمان جموس، الذي كان يعمل في تجارة الأقمشة والعقارات، وتزوجته عام 1975 خلال الحرب الأهلية. واستقرت العائلة في العاصمة اللبنانية ورُزقت 3 أبناء، فيما كان سليمان يدير أعماله من مكتب داخل كنيس "ماغين أبراهام" في منطقة وادي أبو جميل. لكن حياة العائلة انقلبت في آب 1984، عندما اختُطف سليمان في ظروف لا تزال غامضة. ووفق التقرير، أُحرق مكتبه بعد اختطافه وكُتبت كلمة "يهودي" على جدرانه. ويؤكد نجله أن والده كان منخرطاً أيضاً في عمليات تهريب، وأنه أوصى زوجته بعدم سؤاله عن طبيعة نشاطاته أو مصادر أمواله أو مواعيد عودته إلى المنزل. ومع اختفائه، تولّت مريم مسؤوليات واسعة داخل الطائفة اليهودية في لبنان، حتى إنها كانت تتولى التعرف إلى جثث يُشتبه بأن أصحابها يهود، بعدما كانت تُترك بالقرب من منزل العائلة في بيروت خلال الحرب الأهلية، تمهيداً لترتيب دفنها. أما التطور الأخطر، فوقع عندما تلقّت العائلة اتصالاً من جهة مرتبطة بالخاطفين، عُرض خلاله الإفراج عن سليمان مقابل تسليم ابنه البكر. ويقول موشيه: "عندها أدركت أمي أن أولادها أصبحوا في خطر". وفي تشرين الأول 1986، جرى تهريب الأبناء إلى إسرائيل، حيث عاشوا في مؤسسات داخلية، بينما واصلت والدتهم التنقل بين لبنان وإسرائيل عبر رأس الناقورة، قبل أن تستقر نهائياً هناك عام 1989. ويثير الابن تساؤلات بشأن الجهات التي سهّلت تنقل والدته عبر الحدود، وأمّنت لها الاتصالات الهاتفية والمساعدات المالية خلال إقامتها في لبنان، من دون أن يقدم إجابات حاسمة عن هوية تلك الجهات. ورغم انتقالها إلى إسرائيل، لم تستعد مريم الاستقرار الذي عرفته في بيروت. فبحسب ابنها، خسرت مكانتها الاجتماعية وعانت صعوبات مالية، واضطرت إلى العمل في مهن يدوية، بينما بقي أبناؤها في المؤسسات الداخلية. ولم تتخلَّ طوال تلك السنوات عن متابعة قضية زوجها، التي عادت أخيراً إلى الواجهة مع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. ويكشف موشيه أن والدته التقت مرات عدة منسق شؤون الأسرى والمفقودين في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، غال هيرش، وأن العائلة كانت تتابع جولات التفاوض المتعاقبة، بما فيها التحضيرات للجولة الثامنة. ويضيف أن إبلاغ والدته بإدراج ملف زوجها رسمياً ضمن المفاوضات أعاد إليها أملاً انتظرته عقوداً، لكنه تسبب أيضاً في تعاظم حزنها واشتياقها. ويقول: "كانت تردد باستمرار: زوجي سيأتي إليّ". ومع تدهور صحتها ودخولها المستشفى، بقيت تسأل أبناءها عن نتائج المحادثات، وما إذا كان المفاوضون قد اجتمعوا، وتطلب رؤية مقتنيات زوجها ولمسها. ويروي موشيه أنه حاول طمأنتها إلى تقدم المفاوضات، لكنها في لحظاتها الأخيرة قالت له عبارة لم تنطق بها طوال سنوات الانتظار: "موشيه، أستطيع الآن أن أترك الأمر... لقد تعبت". رحلت مريم بعد 42 عاماً من اختطاف زوجها، فيما لا يزال مصير سليمان جموس مجهولاً، وقضيته واحدة من الملفات التي تحاول إسرائيل فتحها على طاولة التفاوض مع لبنان، في مسار يعيد إلى الواجهة أحد أكثر فصول الوجود اليهودي في لبنان غموضاً خلال الحرب الأهلية.