لم يبدأ الخلل في ملف الرسوم المرتبطة بإدارة النفايات مع المرسوم رقم 3214، ولا مع المراسيم التي تلته. البداية الفعلية كانت في طريقة تعاطي السلطة التنفيذية مع قرار المجلس الدستوري رقم 2/2026 نفسه: قرار صدر في 26 شباط 2026، تناول مباشرة حدود صلاحية الحكومة في تطبيق القانون رقم 38/2026، ثم بقي غير منشور في الجريدة الرسمية حتى 2 نيسان 2026، أي نحو خمسة وثلاثين يوماً. هذه الواقعة ليست تفصيلاً إجرائياً، لأن القرار لم يكن حكماً عادياً يقتصر على رد مراجعة دستورية. لقد أعاد "الدستوري" رسم الحدود بين صلاحية المشترع وصلاحية السلطة التنفيذية في موضوع الرسوم، وحصّن أحد نصوص القانون بتحفظ تفسيري صريح، كما وضع قاعدة عامة تقضي بأن ما يترك لمجلس الوزراء لا يجوز أن يتحول من "دقائق تطبيق" إلى تعديل للقانون نفسه. القانون رقم 38 تاريخ 5 كانون الثاني 2026 عدّل المادة 28 من القانون رقم 80/2018 المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وأنشأ نظاماً لتمويل إدارة النفايات، من ضمنه رسم خدمة تديره السلطات المحلية ورسوم مرتبطة ببعض المنتجات. في ما يتعلق برسم الخدمة، كان القانون قد وضع حدوداً دنيا وقصوى للرسم بحسب الفئات والمعايير المحددة فيه، وترك للإدارة المحلية تحديد القيمة داخل هذا النطاق، كما سمح لمجلس الوزراء بالتدخل لتعديل قيمة الرسم. إلا أن المجلس الدستوري لم يقبل أن تفهم عبارة "تعديل قيمة الرسم" باعتبارها تفويضاً مطلقاً. ففي قراره رقم 2/2026، قرر "الدستوري" صراحة تحصين البند المتعلق بهذه الصلاحية بتحفظ تفسيري، مؤداه أن تعديل قيمة الرسم يجب أن يبقى ضمن الحدود الدنيا والقصوى التي وضعها القانون نفسه. وهذا التحفظ له معنى قانوني محدد: المشترع هو الذي وضع أرضية الرسم وسقفه، والسلطة التنفيذية تملك الحركة بينهما. وهي لا تملك أن تنقل الأرضية أو ترفع السقف بإرادتها، وإلا انتقل العمل من التطبيق إلى تعديل القاعدة التشريعية. ولم يترك "الدستوري" هذه القاعدة في الأسباب فقط، بل أدخلها في منطوق القرار نفسه، وقرر بالإجماع تحصين النص على هذا الأساس قبل رد المراجعة في الأساس. وهذا يغيّر الوضع القانوني للنص. فبعد قرار المجلس الدستوري، لم يعد القانون رقم 38 يقرأ وحده، وإنما يطبق كما حصّنه وفسره المجلس الدستوري. وهذه ليست توصية للحكومة ولا رأياً استشارياً، بل تفسير دستوري ملزم للسلطات العامة. تأخير النشر لم يلغِ إلزامية القرار مع ذلك، صدر القرار في 26 شباط ولم ينشر إلا في 2 نيسان. وهذا التأخير يكتسب دلالة خاصة لأن القرار كان يتعلق مباشرة بحدود صلاحية الحكومة في تطبيق قانون مالي، ووضع قيداً واضحاً على معنى التعديل وعلى مدى السلطة التنفيذية. لذا فإن تأخير النشر لم يكن من شأنه أن يمنح السلطة التنفيذية فترة فراغ دستوري، ولا أن يؤجل مفعول التحفظ التفسيري الذي قرره المجلس. لكن اللافت أن المسار اللاحق لم يتجه إلى بناء المراسيم على هذا القرار واحترام منطقه، بل توالت النصوص التنفيذية وكأن الرقابة الدستورية لم تكن قد رسمت حدوداً لصلاحية الحكومة. المرسوم 3214: أول انتقال من التطبيق إلى إعادة تحديد العبء في 15 حزيران 2026 صدر المرسوم رقم 3214 الرامي إلى تعديل الرسوم على المواد المنتجة للنفايات. والخلل القانوني هنا لا يكمن في مجرد صدور مرسوم لتعديل الرسم، لأن القانون نفسه أعطى مجلس الوزراء دوراً في هذا المجال. إنما يكمن في مدى التعديل وطبيعته. فالمجلس الدستوري لم يقبل صلاحية الحكومة باعتبارها سلطة تشريعية رديفة، بل اعتبرها دستورية لأنها تظل في نطاق دقائق التطبيق، ونص بصورة واضحة على أن المرسوم التطبيقي يستطيع تحديد شروط وأصول وإجراءات تنفيذ القانون، لكنه لا يستطيع الخروج عن نطاقه أو تعديله أو الإضافة إليه أو تعطيله. من هنا، فإن استعمال التفويض لإعادة تشكيل مقدار العبء المالي بصورة جوهرية يطرح مخالفة من طبيعة مختلفة عن مجرد خطأ في احتساب الرسم، لأنه يمس بحدود الاختصاص نفسه. وقد بلغ الاعتراض على المرسوم 3214 حداً دفع مجلس الوزراء لاحقاً إلى تعليق العمل به وإعادة درس جدول الرسوم. أي إن الحكومة عادت عملياً إلى الاعتراف بأن المرجعية هي القانون، لكنها لم تُظهر في المسار التنظيمي اللاحق أن قرار المجلس الدستوري وتحفظه التفسيري أصبحا جزءاً أساسياً من البناء القانوني للمراسيم. بعد تعليق المرسوم 3214، لم يقفل الملف. ففي آب 2026 صدرت مراسيم جديدة لتطبيق المادة 28 وتعديل الرسوم، أبرزها المرسومان رقم 3740 ورقم 3754. وهكذا أصبح المسار التشريعي والتنفيذي على الصورة الآتية: قانون، ثم قرار دستوري يحصّن القانون بتحفظ تفسيري، ثم مرسوم لتعديل الرسوم، ثم تعليق للمرسوم، ثم مرسوم تطبيقي، ثم مرسوم آخر يعدل المرسوم الأول. هذا التسلسل يضع مسألة تدرج القواعد القانونية في صميم الملف. فالمرسو