فتحت قضية نقل علي الكيالي، المعروف باسم "معراج أورال"، من لبنان إلى سوريا، باباً على تحقيق قضائي وأمني يتجاوز مسألة توقيف أحد أبرز المطلوبين للسلطات السورية، ليطرح تساؤلات حول ظروف إخراجه من الأراضي اللبنانية، والجهات التي تولّت العملية، وما إذا كانت قد نُفذت بعلم السلطات اللبنانية، أم بعيداً من أجهزتها الرسمية. ففي تطور لافت، كشفت وكالة "أسوشيتد برس"، في تقرير أعدّه الصحافي باسم مروّة، أن النيابة العامة اللبنانية فتحت تحقيقاً في ملابسات اختطاف الكيالي ونقله إلى سوريا، بعدما ظهرت روايات متعارضة بشأن مكان توقيفه والطريقة التي انتهى بها إلى قبضة الأجهزة الأمنية السورية. ونقلت الوكالة عن 3 مسؤولين قضائيين ومسؤولين أمنيين لبنانيين اثنين أن السلطات طلبت من مخابرات الجيش والأجهزة الاستخبارية التابعة للشرطة تحليل سجلات الاتصالات الهاتفية، في محاولة لإعادة تركيب مسار العملية وتحديد ما إذا كان الكيالي قد نُقل من منطقة المنصورية في جبل لبنان إلى السفارة السورية الواقعة خارج بيروت، قبل تسليمه إلى دمشق، أم جرى اقتياده مباشرة إلى الأراضي السورية. وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة، لأنها تضع الرواية الرسمية السورية أمام تحقيق لبناني مستقل في ظروف العملية. فالسلطات السورية كانت قد أعلنت، الخميس، أن جهاز الاستخبارات أوقف الكيالي أثناء محاولته الفرار من سوريا عبر الحدود، من دون أن تتطرق روايتها إلى عملية اقتياده من مكان إقامته في لبنان. وبحسب المسؤولين الذين تحدثوا إلى الوكالة، كان الكيالي يقيم في المنصورية قبل اختفائه، ما دفع المحققين اللبنانيين إلى التدقيق في الاتصالات التي قد تساعد على تحديد مسار نقله والجهات التي شاركت في العملية. ولم يكشف المسؤولون عن هوياتهم، لكونهم غير مخوّلين التحدث إلى وسائل الإعلام بشأن ملف لا يزال قيد التحقيق، فيما لم يقدم مسؤول سوري رداً فورياً على طلب الوكالة التعليق على الاتهامات المتعلقة بعملية الاختطاف. ومن بين التفاصيل التي تستوقف المحققين صورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها الكيالي، وهو مكبّل اليدين، واقفاً بين علمين سوريين. وتحقق السلطات اللبنانية، وفق الوكالة، في احتمال أن تكون الصورة قد التُقطت داخل السفارة السورية في لبنان، وهو تفصيل قد يساعد على تحديد إحدى المحطات التي مرّ بها قبل وصوله إلى دمشق. وفي المقابل، نشرت السلطات السورية صورة أخرى للكيالي، المولود عام 1956، يظهر فيها مرتدياً لباس السجن، في تأكيد على وجوده في عهدتها. والكيالي، المولود في تركيا، كان يُعدّ من أبرز الشخصيات المطلوبة في سوريا، على خلفية اتهامات بارتكاب عمليات قتل خلال سنوات حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد. وتحمّله السلطات السورية مسؤولية أعمال قتل وقعت عام 2013 في مدينة بانياس الساحلية، وأودت بحياة مئات الأشخاص. وقد أثار الإعلان عن توقيفه احتفالات في مناطق سورية، نظراً إلى الاتهامات الموجهة إليه بالضلوع في أعمال قتل ذات طابع طائفي خلال حملة القمع التي شنّها نظام الأسد ضد معارضيه، عقب اندلاع النزاع السوري في آذار 2011. ولا تنفصل قضية الكيالي، وفق السياق الذي عرضته الوكالة، عن سجل سابق من عمليات الاختطاف التي شهدتها الأراضي اللبنانية وارتبط بعضها بالسلطات السورية. ففي عام 2011، وُجهت أصابع الاتهام إلى سلطات الأسد في قضية اختطاف المسؤول البعثي البارز شبلي العيسمي من منطقة عاليه في جبل لبنان، وكان يبلغ حينها 86 عاماً. والعيسمي، الذي شغل موقعاً قيادياً في حزب البعث الذي حكم سوريا والعراق لعقود، لم يُعثر عليه منذ اختفائه. وفي المقابل، شهدت العلاقات القضائية بين بيروت ودمشق إجراءات تسليم رسمية، إذ سلّمت السلطات القضائية اللبنانية، في آب الماضي، ضابطاً سورياً سابقاً رفيع المستوى إلى دمشق، بعد استجوابه بشأن جرائم يُشتبه في ارتكابه إياها خلال النزاع السوري. وتأتي قضية الكيالي في وقت تواصل فيه السلطات السورية الجديدة ملاحقة شخصيات من النظام السابق، حيث خضع عشرات المسؤولين للمحاكمة على خلفية جرائم يُشتبه في ارتكابها خلال الحرب التي أودت بحياة نحو 500 ألف شخص. وكان عاطف نجيب، ابن عم بشار الأسد والمسؤول الأمني السابق، قد صدر بحقه حكم بالإعدام في آب، فيما حُكم على الأسد غيابياً. ويعود سقوط نظام الأسد إلى كانون الأول 2024، عندما وصلت الفصائل المسلحة المعارضة له إلى دمشق، منهية نحو 5 عقود من حكم عائلته. لكن ما يميّز قضية الكيالي عن ملفات الملاحقة القضائية الأخرى هو الغموض الذي يحيط بمكان توقيفه الفعلي، وما إذا كان قد نُقل من الأراضي اللبنانية عبر إجراءات رسمية أم في عملية جرت خارج المسار القضائي المعروف. وبين إعلان دمشق توقيفه أثناء محاولة الفرار عبر الحدود، والتحقيق اللبناني في احتمال اقتياده من المنصورية مروراً بالسفارة ا