بدت العلاقة التي جمعت كندا بالولايات المتحدة، في بعض جوانبها الاقتصادية والأمنية، شبيهة بالعلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء العملة المشتركة والمؤسسات السياسية الموحدة، مثل البرلمان الأوروبي. وتجمع البلدين أطول حدود برية غير محصنة عسكرياً في العالم، مع حركة عبور واسعة وتعاون مشترك في حمايتها ومكافحة الجريمة. واعتمدتا اتفاقيات التجارة الحرة لتسهيل بيع السلع وشرائها، بما يشبه السوق المشتركة في الاتحاد الأوروبي. تاريخياً، ترسخت العلاقات التجارية بين البلدين باتفاقية التجارة الحرة الثنائية عام 1989، التي توسعت عام 1994 لتشمل المكسيك تحت مظلة اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، ممهدة لعقود من التكامل الاقتصادي. وفي عام 2020، دخلت الاتفاقية التجارية الجديدة (USMCA) حيز التنفيذ بدلاً من "نافتا". ورغم استقرار التجارة لسنوات، فإن صعود النزعات الحمائية الأميركية خلق قيوداً متزايدة على كندا. مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، بدأ كل شيء يتغير. ففي شباط/فبراير 2025، أصدر البيت الأبيض أمراً تنفيذياً فرض بموجبه رسوماً جمركية تصل إلى 25 في المئة على السلع الواردة من كندا والمكسيك، تحت شعار مواجهة الهجرة غير الشرعية وتهريب مخدر الفنتانيل. استمرت الأمور بين مد وجزر حتى آب/أغسطس الجاري، حين انهارت المفاوضات التجارية بين البلدين بعدما طرحت واشنطن شروطاً اعتبرتها أوتاوا مجحفة، وتحد من حريتها في إبرام اتفاقيات تجارية مستقبلاً، وتضر بقطاع السيارات بصورة أساسية. وما كان من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلا أن أعلن تعليق المفاوضات، فجاء رد واشنطن بفرض رسوم بنسبة 50 في المئة على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار. وفي خضم هذا التصعيد التجاري، رفع كارني شعار "الدولار مقابل الدولار". وبناءً عليه، أعلنت الحكومة الكندية قائمة تضم أكثر من 700 سلعة أميركية ستخضع لرسوم انتقامية تصل إلى 50 في المئة، مستهدفة قطاعات حيوية كالصلب والأجهزة الكهربائية ومنتجات الألبان، على أن تدخل حيز التنفيذ مطلع أيلول/سبتمبر 2026. الدكتور جيفري دفوركين، زميل أول في كلية ماسي في "جامعة تورنتو"، يصف الرئيس الأميركي بأنه "نرجسي خبيث، وقد التقى أخيراً بشخص كارني الذي كشف زيفه. هذه بداية النهاية لأسلوبه الترهيبي". ويعيد، في حديثه مع "النهار"، أسباب هذه الحرب التجارية إلى أن "ترامب لا يزال يتصرف كمفاوض عقارات نيويوركي، ولا يعرف طريقة أخرى لإبرام صفقة". أما النظرة الأميركية إلى المسألة، فتقع على طرف نقيض من نظيرتها الكندية. ويعبّر عنها هارلي ليبمان، الذي يرى أن "الرئيس ترامب يحاول أن يحمي المزارعين والعمال والتجارة الأميركية، لذلك يريد أن يخرج باتفاق هو الأفضل بالنسبة إلى الأميركيين. ويعتقد أن الدول الأجنبية تحظى بأفضلية غير متكافئة في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة". وفي حديثه مع "النهار"، يشير إلى أنه لهذه الأسباب "تظهر الولايات المتحدة وكأنها متنمرة، لكن الحقيقة أن كندا هي من أوقفت المفاوضات، بينما الرسوم الجمركية لا تشمل سوى خمسة في المئة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة". وفي السياق، يرى ليبمان أن كارني يعمل على "تسييس المسألة" لرفع شعبيته وتعزيز موقعه أمام معارضيه، و"إظهار نفسه وكأنه المدافع عن الهوية الكندية". شخص يلتقط صورة للافتة الجديدة لبحيرة أونتاريو، في 29 آب/أغسطس 2026. (أ ب) في مؤتمر دافوس لهذا العام، أطلق كارني استراتيجية دولية شاملة تحت عنوان "مبدئية وبراغماتية: مسار كندا". وركز فيها بصورة أساسية على إعادة تعريف دور "القوى المتوسطة" (Middle Powers) في مواجهة "تغول وممارسات القوى العظمى". وأعلن صراحة انتهاء النظام الدولي القائم على القواعد المشتركة، مشيراً إلى أن العالم يشهد "تمزقاً"، لا مرحلة انتقالية عادية. وفي خطابه، الذي وُصف بالتاريخي، انتقد كارني تحويل القوى العظمى الروابط الاقتصادية إلى أسلحة، واستخدام الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد وسائل للابتزاز الجيوسياسي، ما فُسر على أنه رسالة مباشرة إلى إدارة ترامب. وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية، بدأ كارني تعميق العلاقات الاقتصادية وبناء شراكات وثيقة مع البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي لمواجهة الضغوط الأميركية. وفي هذا الإطار، يقول دفوركين: "لقد أصبح كارني فجأة ركيزة أساسية للاعبين الآخرين، وخصوصاً القوى المتوسطة في الاتحاد الأوروبي". ويتوافق هذا الرأي، إلى حد معين، مع موقف ليبمان، الذي لا يستبعد أن "يتقرب رئيس الوزراء كارني أكثر من الأوروبيين في إطار سياسته بشأن دور القوى المتوسطة، لكن لن تكون هناك صداقة دائمة، فالمصلحة هي الدائمة. وبين كندا والولايات المتحدة الكثير من المصالح المشتركة، وبالتالي ستتوصلان إلى اتفاق". وعن استفزاز الكنديين ع