من الأجنحة اللافتة في معرض بيروت للكتاب، تلك التي تضم قصاصات من الصحف والمجلات القديمة (الأسبوع العربي، الشبكة)، وملصقات تخصّ الفنان المسرحي الكوميدي الشعبي حسن علاء الدين(شوشو)، بجسده النحيل وشاربيه الكثيفين ومسرحياته. ويضم هذا الجناح البارز محفوظات لناشر "دار الفرات" عبودي بو جودة، الشهير باقتناء الملصقات، خصوصاً السينمائية، وتحول الجناح بشكل من الأشكال محطة سياحية لالتقاط الصور التذكارية، بل مقصداً للزائرين والعابرين من هنا وهناك. لا ندري إن كان الجيل الجديد يعرف من هو حسن علاء الدين، الذي توفي قبل نحو خمسين عاماً في بداية الحرب الأهلية، وكان من أشهر القوّالين المسرحيين، ومسرحيته "أخ يا بلدنا" التي يتصدر ملصقها واجهة الجناح، أحدثت ضجة بسبب أغنيتها "شحادين يا بلدنا" التي ما زال الناس يرددونها باعتبارها تلخص واقع الحال والأحوال. وعلى الرغم من تهافت الزوار لالتقاط الصور في جناح شوشو، صانع الضحكة الآتية من الواقع المؤلم، لا نعلم عدد الذين ذهبوا لاقتناء كتاب عنه، لا سيما إصدار الكاتب اللبناني فارس يواكيم بعنوان "شوشو في الذاكرة"، عن "دار الفرات"، وهو كتاب يحتوي تفاصيل سيرة عبقري الكوميديا الذي زرع البسمات في وجوه جمهوره العريض. صدف أن تعرفت على فارس يواكيم، وكان برفقة الزميل نديم جرجورة، يومها كنت اعرف جيداً اسم شوشو وبعض أغانيه المنتشرة وأخبرني أنه كان يكتب مسرحياته، ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتي به. روى لي فارس يواكيم، قصة العلاقة بينه وبين شوشو، قائلاً إنها انطلقت من الصحافة، فهو كان في العام 1967 ينشر مقالات في "ملحق النهار" الثقافي الذي رأس تحريره آنذاك الشاعر أنسي الحاج، وقد طلب منه تغطية عرض مسرحية اسمها "الدكتور شوشو" في "المسرح الوطني"، في أول شارع بشارة الخوري على بعد أمتار من ساحة البرج. كانت تلك مرحلة بيروت عاصمة كوزموبوليتية، تضج بالأفكار والأحلام والمسرح والآراء والفنون المتعدّدة، وكانت حقبة ما بين منتصف الستينات ومنتصف السبعينات عصراً ذهبياً في تاريخ المسرح، وأصبح الذهاب إلى المسرح جزءاً من تقاليد المدينة. أسس شوشو "المسرح الوطني" (التسمية اختارها نزار ميقاتي، على غرار المسرح الوطني الشعبي) بطريقة أشبه بالمغامرة، بعدما بدأ العمل في الإذاعة مع الفنان محمد شامل (والد زوجته) الذي اكتشفه. في البدء، قدّم اسكتشات فكاهية، "نمرة" بالمعنى العامي، ليرضي أذواق البعض في حي الزيتونة قرب فندق فينيسيا، ثم اختلف محمد شامل مع شوشو بعد زواج الثاني من ابنة الأول، رغم معارضة شامل لهذا الزواج، فاستغنى عن خدماته في البرامج التي يكتبها ويتولى بطولتها، وأصبح شوشو عاطلاً عن العمل، إذ ترك عمله في البنك السعودي بعدما انخرط في التمثيل وأصبح محترفاً. يروي يواكيم في كتابه أن "شوشو كان يمشي على غير هدى في وسط البلد يفكر في مستقبل أيامه، ويحلم أن يصبح بطلاً مسرحياً". وعندما قادته قدماه الى سينما شهرزاد، وكانت آنذاك صالة من الدرجة الثانية، سأل عن صاحبها، فقيل له إنه هنري شقير، صاحب سينما دنيا. طرح عليه موضوع تحويلها إلى مسرح، فرد صاحب السينما بأن المسرح اليومي لا يمشي، كما روى لي. لكن شوشو المتحمس قال: أنا اشتريها، أي السينما وسحب دفتر شيكات غير صالح من جيبه وهمّ بتوقيع شيك لا يصلح للاستعمال، وعندما لاحظ هنري شقير أنه شديد الحماسة للمشروع، اقتنع بالفكرة واتفقا على العمل شراكة، وما إلى ذلك، وحوّل الشريكان الصالة التي كانت مخصصة للعروض السينمائية، إلى مسرح، واُفْتُتِحت في خريف 1965 بمسرحية اسمها "شوشو بك في صوفر"، لقيت الصدى الإيجابي في الأوساط الشعبية البيروتية، وهي من اقتباس نزار ميقاتي وإخراجه، وهذا الأخير هو والد الممثل عمر ميقاتي. و"تجلّت أهمية نزار ميقاتي في ترسيخ مسرح كوميدي يخلو من الابتذال"، فاستمر التعاون بينه وبين المسرح الوطني خمس سنوات، قدمت الفرقة خلالها 12 مسرحية عرفت نجاحاً جماهيرياً ملحوظاً" (من كتاب "شوشو في الذاكرة"). يروي يواكيم أنه لم يكن في بيروت غداة افتتاح المسرح، بل في القاهرة يدرس في المعهد العالي للسينما. ولما عاد في ربيع 1967، كان يعرف شوشو من خلال برامجه الإذاعية الفكاهية، ولم يكن عند يواكيم التصور الكافي عنه، لكن أنسي الحاج شجعه وقال له: "حتشوف فيه ممثل مدهش وحين رأيته على الخشبة (والكلام ليواكيم) أحسست بأنه غول مسرحي يلتهم الخشبة المسرحية التهاماً. تعرفت إليه وصرنا أصدقاء". كان شوشو في الـ28، وعمر فارس يواكيم 22، فصارا يلتقيان في منطقة الروشة، في مقهى "الدولتشي فيتا" الآفل، يسهران حتى الصباح ثم ينزلان الى ساحة البرج ويتناولان ترويقة الفول والسحلب والأحاديث بينهما كانت غالباً عن المسرح. شوشو من المدمنين على أفلام شارلي شابلن، يحتفظ بكل أفلامه على أشرطة 8 ملم، بالإضافة إلى اهتمامه الخاص بالمسرح المصري الكوميدي، خصوص