تقدّم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بطعن أمام المجلس الدستوري بتاريخ 22 أيلول 2026، في موضوع المادة الثالثة من القانون رقم 71 الصادر في 10 أيلول 2026 الذي يرمي إلى تعديل بعض مواد القانون رقم 23 تاريخ 14 آب 2025 (قانون إصلاح المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها). وقد تم تقديم هذا الطعن في ظل أجواء من التكتم إذ لم يتمكّن أحد من الاطّلاع عليه إلا مؤخّرا بعدما تسرّبت نسخة منه ما يسمح باستعراض أبرز نقاطه ومناقشتها بشكل سريع. تنصّ المادة الثالثة كما عدّلها القانون رقم 71 على التالي :”يهدف هذا القانون إلى وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة وما تحتاجه الحكومة ومصرف لبنان لأجل تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر للمصرف مع ضمان استمراريّة الوظائف والأنشطة الأساسيّة، وحماية الودائع في عمليّة التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامّة في عمليّة إصلاح أي مصرف متعثّر”. وقد تبين من مراجعة الطعن أن رئيس الجمهورية يطلب إبطال هذه المادّة المعدّلة والعودة إلى النصّ كما ورد في القانون رقم 23 الصادر سنة 2025 وهو على الشكل التالي :”مع الالتزام بقانون النقد والتسليف، يهدف هذا القانون إلى تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عمليّة التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامّة في عمليّة إصلاح أي مصرف متعثّر”. يحاول الطعن إثبات عدم دستوريّة المادة الثالثة المعدّلة من خلال اعتباره أوّلًا أن المادة لم يتم اقرارها في مجلس النواب وفقا لآلية التشريع الدستورية، وثانيًا عبر الزعم بأن المادة تفتقر إلى الوضوح التشريعي ما يجعلها مستوجبة الإبطال انطلاقًا من اجتهاد المجلس الدستوري الذي يحرص على الالتزام بهذا المبدأ في صياغة التشريعات. وقبل المضيّ في مناقشة أسناد هذا الطعن، تجدر الإشارة إلى المذكرة المقدمة إلى المجلس الدستوري للمطالبة بردّ الطعن والبيان الصادر عن المفكرة القانونية وعدد من المنظمات الأخرى تبعا لهذا الطعن. التذرع بمخالفة المادة 36 من الدستور: الخلط بين التصويت على المواد والتصويت النهائي على القانون يشير الطعن إلى أنّ المادة “لم يتمّ التصويت عليها بالمطلق” وبالرغم من ذلك فقد تمّ إدراجها معدّلة في متن القانون المطعون به. ويستند الطعن إلى اجتهاد المجلس حول المادة 36 من الدستور التي تنصّ على أنّه في التصويت على القوانين، تعطى الآراء “دائمًا بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال”، ذاكرًا قرار المجلس رقم 15/2017 الصادر في 22/9/2017 (والصحيح هو القرار 5 وليس 15) الذي اعتبر أنّ عدم التقيّد بالصيغ الدستوريّة لاقرار القوانين يخالف الدستور ويؤدّي إلى إبطال النص القانوني، والقرار 1/2026 الصادر في 25/2/2026 الذي نصّ على أنّ “الصيغة المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور هي صيغة جوهريّة لارتباطها ارتباطًا جذريًّا بطبيعة النظام الديمقراطي البرلماني الذي نصّ عليه الدستور”. بالتالي، يطلب الطعن من المجلس الاستماع إلى التسجيل الصوتي الذي يبيّن أنّ المادة لم يتمّ التصويت عليها وفق الصيغ المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور إذ خلال الجلسة التشريعيّة طرح رئيس المجلس على التصويت المادة الثالثة كما عدّلتها اللجان النيابيّة بعد نقاش حادّ بين النواب حول مدى ملاءمة الإحالة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف، فتمّ اسقاطُها برفع الأيدي مرّتين على ما ورد في محضر الجلسة. عندها، اعتبر رئيس المجلس نبيه برّي أنّه بمجرّد سقوط نصّ اللجان، فإنّ نصّ المادة كما ورد في مشروع قانون الحكومة تمّ التصديق عليه ولم يطرحه صراحة على التصويت برفع الأيدي. وتمّ نشر النصّ في القانون كما ورد في مشروع الحكومة. بهذه الطريقة، يكون نصّ الحكومة الذي يخلو من الإحالة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف هو الذي اعتبره الرئيس برّي مصدّقًا بمجرّد إسقاط التعديل الحاصل على المادة الثالثة من قبل لجنة المال والموازنة. ولا شكّ أنّ اسقاط النواب لصيغة اللجنة كان فعليًّا من أجل التخلّص من الإحالة إلى المادة 70. ويستطرد الطعن في تمنياته إذ يوحي للمجلس الدستوري بأنه في حال إبطال المادة الثالثة كما وردت في القانون 71، “تبقى المادة الثالثة على النص الذي صيغت به في القانون رقم 23 تاريخ 24/8/2025″، أي أنّ المادة تعود إلى شكلها الذي ترد في مستهلّه عبارة “مع الالتزام بقانون النقد والتسليف”. ولا بد من التوقف هنا عند التناقض في الطعن الذي يظهر أنه لا يدرك حقيقة المادة 36 من الدستور. فهذه المادة تتكلم عن التصويت النهائي على القانون الذي يتم بالمناداة بالأسماء بعد أن يكون المجلس قد صوت على كل مادة من مواد القانون برفع الأيدي. فضرورة التصويت على كل مادة هو موجب يفرضه النظام الداخلي وليس الدستور ما يعني أن عدم التصويت بالمناداة على الأسماء على