في أزمة معرض "الأبد هو الآن" في دورته السادسة، وجد الوسط الفني التشكيلي المصري صوتاً جماعياً له. كانت دعوة الفنان الفرنسي برنار فينيه للمشاركة في المعرض من قبل الجهة المنظمة، وهي مؤسسة "آرت دي إيجيبت"، هي الشرارة التي أشعلت الأزمة، وذلك على خلفية علاقاته المهنية الحميمة مع المؤسسات الإسرائيلية. كان صدور "بيان للرأي العام من ممثلي المشهد الفني والثقافي ضد استقبال الفنان الفرنسي برنار فينيه"، والذي وقع عليه أكثر من 660 من الأسماء البارزة في الفن التشكيلي والثقافة المصرية بالعموم، هو الحدث الأبرز. وبالتوازي، منح بيان مشابه من نقابة الفنانين التشكيليين المصريين دعماً رسمياً ومؤسسياً لحملة المقاطعة الأهلية. وعلى مستوى الخطوات العملية، أعلن عدد من الفنانين المصريين انسحابهم الفوري من فعاليات موازية تنظمها المؤسسة نفسها، كما هدد عدد من الغاليريهات الفنية بمقاطعة المعرض وأنشطة المؤسسة الأخرى في المستقبل. أجبرت دعوات المقاطعة الجهة المنظمة على إصدار بيان أول مراوغ، يتحايل على المعضلة المطروحة بسرد لائحة موجزة بإنجازات النحات الفرنسي، لكن وتحت الضغط، سرعان ما تراجعت "آرت دي إيجيبت" لتعلن استبعاد فينيه في بيان ثانٍ قصير مشحون بركاكة وطنية. لكن لم يتوقف الأمر هنا؛ إذ استدعت الأزمة تمحيصاً في سيرة نادين عبد الغفار، مديرة مؤسسة "آرت دي إيجيبت"، وهو ما تبعته سلسلة من الاتهامات لها شخصياً بالتطبيع، واستضافة مؤثرين إسرائيليين في مصر. وجاءت تلك الاتهامات معززة بصور يصعب التيقن من مدى صحتها، لكنها بكل الأحوال أثارت دعوات لمقاطعة المؤسسة في المطلق، مقابل أصوات أخرى تدعو لطرح نقاش هادئ حول معايير المقاطعة وآلياتها. لطالما منحت القضية الفلسطينية مساحة شبه آمنة للجماعات الثقافية في مصر للتنظيم الذاتي واتخاذ المواقف الجماعية ذات الأبعاد السياسية، وذلك من دون خشية كبيرة من بطش السلطة. ولعل أزمة "الأبد هو الآن" كانت الحراك الأكبر في تلك المساحة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة. بلا شك، تشكل الإبادة حافزاً أخلاقياً وملحاً للمواقف السياسية الجماعية في الحقل الفني، لكن ربما تعود جذور تلك الأزمة إلى ما هو أبعد من محك مسألة المقاطعة. توافق ظهور "آرت دي إيجيبت"، المؤسسة الشركة، في العام 2016، مع تصاعد الحملة الأمنية ضد المؤسسات الثقافية والفنية المستقلة. وكان إغلاق "غاليري تاون هاوس"—أحد أبرز مساحات الفن المعاصر في وسط القاهرة بعد مداهمات أمنية، وفشل محاولة قصيرة العمر لإعادة افتتاحه—علامة فارقة لنهاية حقبة وبداية حقبة جديدة، كان عنوانها الحصري والوحيد هو "آرت دي إيجيبت". جاءت الشركة لتمارس شبه احتكار للسوق الصغير للفنون في مصر، وتحويل الممارسات الفنية إلى مشروع تسويقي أقرب للسياحة عبر "دمج الفن المعاصر بالتراث الأثري المفتوح". انتقلت المعارض الفنية من فضاءاتها التقليدية في القاعات الفنية إلى القصور والقلاع الأثرية أو في ظلال أهرامات الجيزة، ولم يأتِ ذلك بانفتاح على جمهور أكبر، بل على العكس، جاء بمزيد من الحصرية؛ إذ انغلقت تلك الفضاءات أكثر على نخبة من الدبلوماسيين ورجال الأعمال. وبينما خنقت الدولة مسارات تمويل المؤسسات الفنية غير الهادفة للربح، قدمت "آرت دي إيجيبت" نموذجاً تجارياً يقوم على رعاية الشركات العابرة للحدود، والبنوك الاستثمارية، وبيوت الأزياء العالمية. تجري أنشطة الشركة برعاية كاملة من الدولة ومؤسساتها، وفي سياق سياستها لتحويل كافة الأنشطة والموارد والفضاءات العامة إلى أدوات رأسمالية لتوليد الربح. لا تنسحب الدولة هنا فقط من دعم الأنشطة الفنية والثقافية، بل تقوم أيضاً بتحويرها بشكل جذري. صحيح أن الجماعة الفنية لا تملك من المقومات ما يمكنها من مقاومة تلك التحولات بشكل جماعي منظم، لكن أزمة "الأبد هو الآن" بدت وكأنها فرصة عفوية للاحتجاج ضد الترسيم النيوليبرالي الجديد للحقل الفني.