تعود محافظة السويداء جنوب سوريا إلى الواجهة بين الحين والآخر، تارة من خلال الفوضى الأمنية الآخذة بالتصاعد إثر تفلّت السلاح وتغييب الأجهزة الحكومية والأمنية الرسمية، وطوراً من خلال عمليات نقل السلاح من إسرائيل إليها، وما يرافق ذلك من تصريحات إسرائيلية، كان آخرها من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي تحدّث عن حوادث تمّوز 2025 في سياق حملته الانتخابية، بهدف كسب أصوات دروز إسرائيل جديد المعطيات كان معلومات توافرت لـ"النهار" عن حركة طيران مروحي إسرائيلي كثيفة شهدتها أجواء المحافظة في الآونة الأخيرة. ووفق مصادر خاصة، فإن الحركة كانت عبارة عن نقل سلاح خفيف ومتوسط، إضافة إلى مسيّرات انتحارية، من إسرائيل. وتقارب المصادر هذه الحركة بتشاؤم، إذ تتخوّف من احتمال عودة الاشتباكات، وعودة السويداء إلى ساحة صراع إقليمي. الدروز في حسابات نتنياهو الانتخابية توقيت إرسال الأسلحة مشبوه، فقد يكون مرتبطاً بمعارك مقبلة، علماً أن الحكومة السورية تتبع سياسة الانتظار في ملف السويداء، فلا تتدخل بانتظار يأس درزي داخلي وإبداء رغبة محلية بالعودة إلى سوريا بعد فشل النموذج الحالي في المحافظة ومشاريع الانفصال. لكن في الآن عينه، قد تكون الشحنات مرتبطة بحسابات نتنياهو السياسية. خلال حملته الانتخابية، نظّم نتنياهو لقاء مع دروز إسرائيل، محاولاً استقطابهم في انتخابات الكنيست التي ستجرى في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. حظوظ نتنياهو الانتخابية متعثرة حتى الساعة، واستطلاعات الرأي لا تظهر أنّه قريب من اجتياز عتبة الـ60 نائباً لتشكيل حكومة، وبالتالي، وجد في الساحة الدرزية الإسرائلية فرصة وورقة انتخابية لاستقطاب الأصوات من خلال التذكير بحوادث تموز والتدخل الإسرائيلي، وربما إرسال الأسلحة إلى السويداء. ويذكر أن نتنياهو نشر على صفحاته الالكترونية فيديوات من تظاهرات في السويداء ترفع صوره. يريد نتنياهو استغلال هذه الظاهرة في انتخاباته لحشد تأييد دروز إسرائيلي خلفه وحزبه "الليكود". وهو ينشر هذه الفيديوات ويربط بين إسرائيل وحوادث السويداء لأنّه يعي عمق العلاقات الاجتماعية والروحية بين الدروز في كل مكان، فيستقطب دروز إسرائيل انتخابياً من خلال دروز سوريا. نتنياهو ينشر فيديو يظهر فيه شاب من السويداء وهو يرفع صورته خلال التظاهرات التي شهدتها المحافظة. لم يتطرق نتنياهو خلال حديثه الى احتمال إقامة دولة درزية في جنوب سوريا، علماً أن الشيخ حكمت الهجري، رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، الذي يعلن جهاراً علاقته بإسرائيل ورغبته بالعمل معها، يطالب بشكل مستمر باستقلال السويداء عن سوريا وإقامة حكم ذاتي أو دولة مستقلة متحالفة مع إسرائيل. لكن فرص إقامة دولة درزية في جنوب سوريا لا تزال ضئيلة جداً. ووفق مقال نشره موقع "ناشونال إنترست"، يبدو أن السعي نحو أي شكل من أشكال تقرير المصير هو أمر "غير مجدٍ" على الأرجح. ويعدد المقال العوامل الغائبة عن محافظة السويداء لإنشاء حكم مستقل: جغرافيا السويداء تتسم بكونها منطقة قاحلة إلى حد كبير؛ تفتقر إلى الإنتاج الزراعي، والموارد الطبيعية القابلة للتصدير، وتفتقر حتى إلى المياه الكافية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. ولا تتمتع بأي بنية تحتية حديثة أو واجهة بحرية، ولا حقول نفط أو غاز. وعلى مدى عقود، دفع غياب الفرص الاجتماعية والاقتصادية في السويداء الكثير من أبنائها الدروز إلى الانتقال نحو دمشق لمتابعة التعليم العالي أو الانخراط في السلك العسكري. إضافة إلى ذلك، لا تتمتع السويداء بأي مسارب وهي محاصرة. فخلال المرحلة الماضية، أصبحت معزولة تماماً تقريباً عن بقية الأراضي السورية؛ إذ لا يوجد سبيل للوصول إليها سوى عبر طريق سريع يربطها بدمشق. ونتيجة لذلك، باتت تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية التي تسمح دمشق بدخولها، بالإضافة إلى تدفقات مالية تأتي من إسرائيل المجاورة. بالنسبة للأردن، فإن قيام دولة درزية مستقلة على حدوده من شأنه أن يعطل وصول عمان المباشر إلى دمشق، ويفرض سلوك طرق بديلة أطول. وإلى جانب دعمه الحكومة السورية، يعارض الأردن بشدة وجود "دولة مخدرات" على حدوده وفق "ناشونال إنترست". ونتيجة لذلك، رفضت عمان طلباً بفتح معبر حدودي، كما شنت في مناسبات عدة غارات جوية استهدفت شبكات تهريب المخدرات في السويداء. كان تهريب المخدرات والأسلحة إلى الأردن نشطاً. وبعد سقوط النظام السوري السابق، انتقلت شبكات النظام المرتبطة بهذا النشاط إلى السويداء، مما أتاح للهجري وفصائله العسكرية والأمنية الاستفادة من عمليات تهريب هذه المواد إلى الأردن. الحكومة السورية تضبط عمليات تهريب مخدرات. أما من منظور لبنان، فإن قيام حكم ذاتي إقليمي قائم على أسس طائفية، أو حدوث انفصال في سوريا، من شأنه أن يزعزع التماسك الاجتماعي الهش أصلاً بين المكونات الدينية المتنوعة في لبنا