مع مباشرة الرئيسة الجديدة لكوسوفو أداء مهامها، انتشرت على بعض المواقع وصفحات السوشيال ميديا الأخبار التي تفيد بأنها كاثوليكية، في بلد يمثّل المسلمون فيه أغلبية ساحقة جداً، بل كانت أغلبيته الدينية سبباً في انفصاله عن صربيا منذ عام 2008، بعد نزاع دموي، وارتكاب مجازر في حرب أهلية شنيعة. انتخاب جوستينا شيروكا بولا، من قبل البرلمان، أتى بزيادة صوت واحد عن نسبة الثلثين من أعضاء البرلمان، ورغم أنه المنصب غير الأعلى في بلد برلماني إلا أن الفشل في انتخاب الرئيس يؤدي إلى أزمة وإلى حل البرلمان. تسلمت جوستينا مهام الرئاسة من رئيسة سابقة أيضاً، أنهت ولايتها الرئاسية الممتدة لخمس سنوات، والاثنتان هما من ضمن ثلاث رئيسات منتخبات للبلد منذ استقلالها عام 2008. وجدير بالذكر أن كوسوفو كانت من بين البلدان التي انبثقت عن انهيار الاتحاد اليوغسلافي، بعد انهيار المنظومة الشيوعية في العالم، ورغم أن يوغسلافيا كانت من مؤسسي حركة عدم الانحياز، إلا أن نظامها السياسي والاقتصادي كان أقرب إلى المعسكر الشيوعي. لا يبدو أن الإعلام في كوسوفو قد اهتم بكون الرئيسة الجديدة مسيحية، بل إن غياب هذا التفصيل عن مواقع إخبارية موثوقة ربما يجعل منه موضع شك. في المقابل، يمكن ردّ عدم ورود شيء عن ديانة أو مذهب الرئيسة الجديدة إلى النظام السياسي في كوسوفو، وهو علماني من دون وجود نص حرفي على العلمانية. ببساطة، لا يشترط الدستور كون المرشح للرئاسة من جنس أو دين معيّن، وهذا ما يجعل تسلم امرأة مسيحية شأناً عادياً، سواء حدث أم لم يحدث. وأن تكون الرئيسة الحالية هي الثالثة بين النساء في تولي المنصب فهو مؤشّر على سهولة اختيار امرأة مسيحية له، إذ لطالما كان القبول بامرأة أصعب من القبول بالمخالف دينياً أو إثنياً. ولطالما كان تداول خبر من قبيل خبر انتخاب مسيحية ينطوي في منطقتنا لدى بعض الشرائح على نوع من الحسرة، إذ تحضر المقارنة بين البلدان التي أنجزت هذه النقلة وبلدان المنطقة المتعثّرة باختلافاتها. ولطالما أيضاً تم تداول مثل هذه الأخبار على أنها تحدث للآخرين، بمعنى أنها بعيدة كلياً عن احتمال حدوثها في بلدان المنطقة الميؤوس منها أصلاً. وإذا كانت الحسرة تنبئ بالرغبة في التغيير، فالاعتقاد بأن ما يحدث للآخرين لن يحدث "لنا" يبدو مريحاً جداً، للمستقيلين من فكرة التغيير، وللمتضررين منها. ماذا لو طرحنا السؤال، مثلاً، عما يمنع أن تنتخب الأكثرية المسلمة في سوريا امرأة مسيحية، أو من أية مجموعة مذهبية لا تنضوي رسمياً ضمن الإسلام "الرسمي"، رئيسةً للبلاد؟ لا يستبعد أن يرى كثر في هذا السؤال اغتراباً عن أحوال بلد فيها الكثير من الأولويات التي تفوق انتخاب امرأة غير مسلمة، مع أن الأولويات المزعومة لم تمنع، ولن تمنع على الأرجح، وجود ما ينص على كون المرشّح للرئاسة مسلماً، ليستبعد تلقائياً النساء وغير المسلمين. وتكون النتيجة أن يُنظر إلى الأمر وكأنه مكافأة، أو غنيمة، للمسلمين السُنة تحديداً، على حساب باقي المجموعات الإثنية والنساء. وبالطبع سيُنظر إلى هذا التمييز، من قبل المجموعات المقصية عن المنصب، على أنه تمييز في المواطنة، ما يطعن من وجهة النظر هذه في أساس الدولة التي تزعم الحداثة. الذين يستغربون السؤال عن إمكانية تولي امرأة غير مسلمة الرئاسة، في سوريا مثلاً، لا يقولون متى هو الوقت المناسب، إذا لم تكن المرحلة الانتقالية المفترضة هي الوقت المناسب لطرح أسئلة من هذا القبيل! يُذكر، في سياق مشابه، أن الكثير من الأسئلة كان يُواجَه خلال عقود بالذريعة نفسها، أي بأن الظروف غير ملائمة لطرحها، وسوريا ليست سوى مثال من بين أمثلة على بلدان في المنطقة عاشت ضمن فكرة "الظروف الاستثنائية" لمدة عقود، وكأنّ العيش في الاستثناء هو القاعدة! الأسوأ في الأمر أن تنصرف الأذهان إلى ما يُرى بوصفه امتيازاً، وهو في مثالنا امتياز للذكور المسلمين، على حساب النساء وغير المسلمين الذين سيشعرون بالظلم الواقع عليهم من أصحاب الامتياز. وأن يُستدرج هؤلاء الذكور إلى فخ الشعور بأنهم حقاً أصحاب امتياز، لأن ثلة منهم ستستفيد عملياً من الميزة الممنوحة لهم، أو التي غنموها. ثم أن يدافع هؤلاء عن الامتياز، وكأنّهم قد حصلوا حقاً على وضعية تمنحهم ما لا تمنحه لغيرهم بحكم منبتهم الطبيعي، أي بلا مقابل أو جهد يبذلونه. في الواقع، مقابل ثلة مستفيدة عملياً من الامتياز المذكور، هناك الكتلة الأكبر من التي تدفع ثمنه تحت وهم امتلاكه. ما يحدث فعلياً هو أن الكتلة الأكبر يُسحب منها حق من حقوقها مقابل الامتياز المزعوم، فالمسلم "السُني غالباً" يُنتقص من حقه الانتخابي مقابل قلة من المسلمين تمارس امتياز الترشح للمنصب المُحتكَر. إنه ببساطة يكون مضطراً لانتخاب مرشح على أساس تمييزي، فلا يستطيع انتخاب مَن يراه/ها الأجدر بالمنصب، وهذا ينتقص من حريته في الانتخاب، بينما يبدو