لا يحتاج اللبناني إلى بطاقة اقتراع في الولايات المتحدة أو إسرائيل كي يتأثر بما تفرزه صناديق الاقتراع فيهما. فالأمر بات أقرب إلى "القضاء والقدر" إن صح التعبير منه إلى العلاقات التي تصاغ بإرادة الطرفين. في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، يتوجّه الإسرائيليون إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، وبعدها بسبعة أيام فقط، أي في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، تجرى الانتخابات الفدرالية الأمريكية التي ستعيد تشكيل مجلس النواب وجزء من مجلس الشيوخ. بين الموعدين، يقف لبنان أمام ملفات تتجاوز بكثير حدود السياسة الداخلية: الانسحاب الإسرائيلي من أراضيه، ومستقبل سلاح حزب الله، ودور الجيش اللبناني، والمفاوضات التي ترعاها واشنطن، ومستقبل القوات الدولية "اليونيفيل" في الجنوب. لا تتعلق المسألة بما إذا كانت الانتخابات في واشنطن أو تل أبيب "تحدّد" مصير لبنان، فهذا تبسيط لا يُفسّر تعقيدات المشهد. السؤال الأدق يتعلق بحجم المساحة التي يمكن أن تضيفها هذه الانتخابات أو تسحبها من اللاعبين الذين يملكون تأثيراً مباشراً في الملف اللبناني، وما إذا كان اللبنانيون يعطون نتائج صناديق الآخرين وزناً أكبر مما تملكه فعلاً. تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في كونها أوّل انتخابات عامة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، وتالياً هي الأولى منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والحروب والتحولات الأمنية التي أعقبته. أما في الولايات المتحدة، فقد حدّدت لجنة الانتخابات الفدرالية 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، موعداً للانتخابات العامة الفدرالية. وفي انتخابات التجديد النصفي تُطرح جميع مقاعد مجلس النواب الـ435 للاقتراع، فيما يُنتخب نحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، بسبب اختلاف مدة الولاية بين المجلسين: عامان للنائب وستة أعوام للسيناتور. هل فقد لبنان بوصلته الوطنية ليصبح مصيره معلقاً بصناديق اقتراع واشنطن وتل أبيب؟ فرغم أن اللبناني لا ينتخب هناك، إلا أن مستقبله بات أشبه بـ"قضاء وقدر" تحدده انتخابات الآخرين، في انتظار طويل لمن يملك قرار تحريك اللعبة في منطقته اليوم، يمتلك الجمهوريون 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، بالإضافة إلى مُستقلّ واحد ومقعدَين شاغرين. وفي مجلس الشيوخ، يمتلك الجمهوريون 53 مقعداً مقابل 45 للديمقراطيين، وهناك عضوان مستقلان يصطفّان تنظيمياً مع الديمقراطيين، أي أنّ حزب الرئيس دونالد ترامب يسيطر على المجلسين، لكن هامش السيطرة في مجلس النواب ضيق للغاية. من الناحية الدستورية، لا يعني فقدان حزب الرئيس السيطرة على أحد المجلسين أنّ الرئيس يفقد زمام السياسة الخارجية. فالسلطة التنفيذية تقود الدبلوماسية اليومية، لكن الكونغرس ليس مُتفرّجاً هنا، فهو يملك سلطة التشريع والاعتمادات والرقابة، ويؤثر في السياسة العسكرية عبر التمويل والرقابة، كما يتمتع مجلس الشيوخ بصلاحيات دستورية في ملفات مثل التعيينات والمعاهدات. ما يهمنا لبنانياً، أنّ هذه الصلاحيات تكتسب معنى مباشراً كونها تتصل بالمساعدات العسكرية. فالجيش اللبناني هو المؤسسة التي كلّفتها الحكومة تنفيذ خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، ويعتمد جزء من قدراته على الدعم الخارجي، وفي مقدمته الدعم الأمريكي. تُظهر قاعدة البيانات الرسمية للمساعدات الخارجية الأمريكية أنّ برنامج التمويل العسكري الخارجي للبنان سجّل مدفوعات بنحو 132.9 ملايين دولار في السنة المالية 2024، وهي أحدث سنة مكتملة تظهر فيها هذه القيمة بوضوح في قاعدة البيانات، بجانب برامج أمنية ومساعدات أخرى. ما سبق أكدّته الحكومة اللبنانية أخيراً بقولها إنّ استمرار الدعم الأمريكي للجيش يُشكّل أحد العناصر اللازمة لتمكينه من أداء مهامه. هنا نرى نقطة تماس واضحة بين سلطة الكونغرس والملف اللبناني؛ لا يُقرّر أعضاء الكونغرس كيف ينتشر الجيش على الأرض، لكنهم جزء من المنظومة التي تقرّ الاعتمادات وتضع الأطر القانونية والرقابية للمساعدات الخارجية. وعليه، لا يتعلق السؤال بعد 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل بمن يسيطر على الكونغرس فحسب، بل بما إذا كان تغيّر تركيبته سيغيّر شيئاً فعلياً في طريقة تعامل واشنطن مع بيروت. الباحث والكاتب السياسي مكرم رباح لا يتوقّع تحوّلاً جوهرياً، إذ يقول في حديثه إلى رصيف22، إنه "لن تكون هناك أيّ تداعيات للانتخابات الأمريكية في ما يتعلّق بموقف الولايات المتحدة من الدولة اللبنانية أو الملف اللبناني"، عادّاً أنّ بعض الأطراف في لبنان "تُراهن على هذا التغيير"، فيما يرى أنّ جوهر السياسة الخارجية الأمريكية أكثر ثباتاً من أن ينقلب بمجرد تبدّل الأكثرية في أحد مجلسَي الكونغرس. يعول البعض على تغير موازين القوى في الانتخابات الأمريكية، لكن سياسة واشنطن الخارجية أصلب من أن تنقلب بتغير الأكثرية. فالمطالب الأمريكية بحصر السلاح ودعم الجيش ستبقى ثابتة وربما تزداد تشدداً. يذهب رباح في ال