بعد سبع سنوات على اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، يبدو أن المسافة بين الشارع الذي امتلأ بالمتظاهرين آنذاك والواقع اللبناني اليوم لا تُقاس بالسنوات وحدها، بل بحجم الخيبات أيضاً. فالشعارات التي وحّدت فئات واسعة من اللبنانيين حول رفض الطبقة السياسية والفساد والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، لم تتحول، في نظر كثيرين، إلى تغيير ملموس في حياتهم اليومية. وبين من يرى أن الثورة لم تترك شيئاً خلفها، ومن يعتبر أن مبادئها لا تزال قائمة رغم تعثر ترجمتها، تتقدم صورة بلد يزداد إنهاكاً، ومواطنين تتراجع ثقتهم بإمكانية الخروج من أزماتهم. في أحاديثهم مع "المدن"، لا يستعيد اللبنانيون 17 تشرين بوصفها لحظة احتجاجية فحسب، بل يقاربونها من موقعهم اليوم، بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والغلاء وتراجع القدرة الشرائية. بعضهم يحمّل الانتفاضة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، فيما يرى آخرون أنها لم تفشل في تحقيق التغيير فقط، بل إن الأزمات التي دفعت الناس إلى الشارع لا تزال قائمة، وقد ازدادت حدّة. بين تحميل الثورة مسؤولية الانهيار وخيبة التغيير لا ينظر الجميع إلى 17 تشرين باعتبارها انتفاضة ضد منظومة سياسية واقتصادية قائمة. فأحد سائقي سيارات الأجرة يذهب إلى تحميلها مسؤولية ما وصل إليه البلد، معتبراً أن المشاركين فيها "تفنيصة"، وأنهم مارسوا الشعبوية وأظهروا أنهم موجودون، لكنهم، بحسب رأيه، تسببوا بالأزمات. ويقول: "هم رفعوا الدولار وأزّموا الوضع الاقتصادي، شلّوا البلد على الفاضي، وخربوا البلد". تعكس هذه الرواية وجهاً من الانقسام الذي رافق الانتفاضة واستمر بعدها، إذ لم تتوحد قراءات اللبنانيين لأسباب الانهيار ولا للمسؤوليات عنه. وبين من رأى في الشارع محاولة لكسر واقع سياسي واقتصادي مأزوم، ومن اعتبر التحركات سبباً إضافياً في تعطيل البلد، بقيت الثورة نفسها موضع خلاف، حتى بعد مرور سبع سنوات على انطلاقها. لكن تحميل الانتفاضة مسؤولية التدهور ليس سوى جانب من الصورة. ففي شهادات أخرى، لا تبدو المشكلة في ما أحدثته 17 تشرين، بل في عجزها عن إحداث التغيير الذي انتظره الناس منها، فيما بقيت الأزمات التي دفعتهم إلى الاحتجاج من دون حلول. يقول محمد إن "ثورة 17 تشرين تبخّرت ولم يبقَ منها شيء"، مضيفاً أن "لا شيء اصطلح، والوضع تأزّم أكثر". وتشاركه سلوى هذا الإحباط، إذ تقول: "لم يبقَ شيء من 17 تشرين، ولا شيء سيُحلّ". في بلد لا تكفي فيه المداخيل لتغطية الحاجات الأساسية، لا تبدو ذاكرة الثورة منفصلة عن الحسابات اليومية. فالمعيشة والغلاء والقدرة على الادّخار، أو حتى تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، أصبحت جزءاً من الطريقة التي يقيس بها اللبنانيون ما تغير منذ العام 2019. يختصر سمير الخرسا هذا الشعور بتشبيه يومي: "البلد متل البير اللي عم تعبي فيه وهو مفخوت، عم تروح المياه". ويضيف: "لا يمكنك تجميع المال، والغلاء فاحش والمعاشات لا تكفي". في هذا الوصف، لا يقتصر الإنهاك على ارتفاع الأسعار أو ضعف الرواتب، بل يمتد إلى الإحساس بأن الجهد المبذول لا يراكم أي أمان للمستقبل. فما يُحصّله المواطن يذهب سريعاً لتغطية حاجاته، فيما تتراجع قدرته على التخطيط أو الادخار، ويصبح الاستمرار نفسه معركة مفتوحة. ويعبّر الخرسا عن تبدّل نظرته إلى الصبر، قائلاً: "الصبر بطّل مفتاح الفرج بلبنان، صار المجرفة والقبر". في مقابل من يعتبرون أن 17 تشرين لم تترك أثراً، يرى آخرون أن ما طرحته الانتفاضة لا يزال حاضراً، وإن غابت القدرة على تحويله إلى تغيير سياسي واجتماعي ملموس. يقول سامر إن ما بقي من 17 تشرين هو "مبادئ العدالة الاجتماعية والمشاكل التي بدأت بسببها، من الفساد والطبقة السياسية الحاكمة، لكن لم تطبق". يفصل هذا التقييم بين المطالب التي رفعتها الانتفاضة والنتائج التي حققتها. فالفساد والعدالة الاجتماعية ومحاسبة الطبقة السياسية لم تفقد أهميتها بالنسبة إلى سامر، لكن استمرارها بوصفها مطالب غير محققة يجعل الإرث الذي بقي من الثورة أقرب إلى مجموعة من المبادئ منه إلى مشروع تغيير متكامل. كان شعار "كلن يعني كلن" من أبرز التعبيرات التي وحّدت المحتجين في 17 تشرين، في إشارة إلى رفض تحميل جهة سياسية واحدة مسؤولية الأزمة واستثناء سائر القوى من المحاسبة. لكن مرور السنوات لم ينهِ الشعور بأن الطبقة السياسية لا تزال قادرة على الاستمرار، فيما بقيت المطالب بالتغيير والمحاسبة معلّقة. يقول إيهاب: "لا شيء اصطلح، الأوضاع من سيء لأسوأ، ونحتاج إلى شيء أكبر من 17 تشرين الآن". ثم يضيف، مستعيداً الشعار الذي طبع الانتفاضة: "طلع شعار كلن يعني كلن، انقلبت الآية وبقوا كلن، والمصيبة أننا لا نقدر عليهم". بهذه العبارة، تختصر الخيبة مساراً من التوقعات التي لم تتحقق. فالشعار الذي عبّر عن محاولة تجاوز الاصطفافات السياسية ومواجهة الطبقة الحاكمة، يبدو اليوم