لا يبدو أن تركيا تتجه إلى استنساخ التجربة السورية في لبنان بصورة حرفية، لكن المتغير الأهم يتمثل في احتمال نشوء نفوذ تركي جديد عبر البوابة السورية، بما يفرض معادلات إقليمية مختلفة. فإذا نجحت أنقرة في دعم إعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن السوري، بالتوازي مع ترسيخ نفوذها في شمال سوريا ووسطها، فإن لبنان سيجد نفسه أمام قوة إقليمية مؤثرة على حدوده الشرقية، تمتلك أدوات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز التدخل العسكري المباشر. وفي هذا السياق، لا تحتاج تركيا بالضرورة إلى وجود عسكري مباشر داخل لبنان كي تؤثر في قراراته، إذ يكفي أن يتحول نفوذها في سوريا إلى منصة للتأثير في ملفات لبنانية أساسية، من الحدود واللاجئين والتجارة والطاقة إلى الأمن والعلاقات السياسية. غير أن أي تمدد تركي لا يمكن فصله عن واقع الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وعن حاجة لبنان إلى حماية سيادته ومنع فرض ترتيبات أمنية تخدم مصالح تل أبيب. وتبرز في المقابل مؤشرات على اهتمام تركي متزايد بالملف اللبناني، بما في ذلك الحديث عن المشاركة في ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب. ويمكن قراءة هذا الانخراط باعتباره محاولة من أنقرة لتوسيع حضورها الإقليمي ومواجهة النفوذ الإسرائيلي، في وقت تحاول فيه إسرائيل فرض وقائع أمنية جديدة على الجبهة اللبنانية والسورية. ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي من الحضور التركي في سوريا لا يرتبط بسوريا وحدها، بل بما قد ينتج عنه مستقبلًا على امتداد المنطقة. فتل أبيب تسعى إلى إبقاء محيطها الإقليمي تحت منظومة أمنية تمنحها هامشًا واسعًا للحركة والاعتداء، بينما قد يؤدي تنامي أدوار إقليمية منافسة إلى تعقيد هذا المشروع وفرض توازنات جديدة. أما المقارنة بين الدور السوري السابق والدور التركي المحتمل، فتظل محدودة؛ فسوريا كانت تعتمد على حضور عسكري وأمني مباشر داخل لبنان، بينما تمتلك تركيا أدوات نفوذ مختلفة، تشمل التدريب العسكري والاقتصاد والصناعات الدفاعية والعلاقات الدولية. ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في شكل الحضور التركي، بل في طبيعة الوظيفة التي قد يؤديها داخل المعادلات اللبنانية والإقليمية. وبالنسبة إلى لبنان، تبقى الأولوية في عدم التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. فالمطلوب هو حماية القرار الوطني ومنع أي طرف، سواء كان إسرائيل أو غيرها، من فرض معادلات أمنية على البلاد. وفي مواجهة الأطماع الإسرائيلية تحديدًا، تبقى المقاومة عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع، بما يحول دون تحويل لبنان إلى مساحة مستباحة أو ملحقة بالمشروع الأمني الإسرائيلي. وعليه، فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون فقط ما إذا كانت تركيا ستتوسع في لبنان، بل كيف سيحافظ لبنان على استقلال قراره في ظل تنافس إقليمي متصاعد. فالمواجهة الحقيقية تدور حول مستقبل المنطقة ومن يمتلك القدرة على حماية سيادتها، في وقت تحاول فيه إسرائيل تثبيت نفوذها وفرض شروطها الأمنية على سوريا ولبنان.