قبضةٌ مرفوعة في الهواء. أصابعٌ منغلقة، وذراعٌ ثابتة. صورةٌ تبدو بسيطة، لكنها تحمل تاريخاً سياسياً وثقافياً يمتد لأكثر من قرن. من حركات العمال ومناهضي الفاشية، إلى حركة الحقوق المدنية والثورات والاحتجاجات، ثم إلى الحملات الانتخابية وصور الرؤساء، انتقلت القبضة المرفوعة من حركة احتجاجية إلى واحدة من أكثر الإشارات البصرية قابلية لإعادة التوظيف. فماذا تعني اليوم؟ وهل تحمل الرسالة نفسها عندما يرفعها دونالد ترامب، أو عندما تظهر في صورة للرئيس اللبناني جوزف عون؟ يصعب تحديد أصل واحد ونهائي للقبضة المرفوعة كرمز سياسي. لكن توثيق استخدامها السياسي الحديث يعود إلى الحركات العمالية في بدايات القرن العشرين.عام 1913، وخلال إضراب عمال الحرير في باترسون بولاية نيوجيرسي الأميركية، استخدم الناشط العمالي ويليام بيغ بيل هايوود صورة القبضة لتوضيح فكرة القوة الجماعية: الإصبع الواحدة ضعيفة، أما الأصابع مجتمعة فتكون قبضة يصعب كسرها. وفي الفترة نفسها تقريباً، بدأت القبضة تظهر في الثقافة البصرية للحركات العمالية والنقابية. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار الرمز :القوة لا تأتي من الفرد وحده، بل من اجتماع الأفراد. من هذه النقطة بدأت القبضة تنتقل بين حركات سياسية واجتماعية مختلفة. في عشرينيات القرن الماضي، اكتسبت القبضة المرفوعة معنى أكثر ارتباطاً بالصراع السياسي. فقد تبناها اتحاد مقاتلي الجبهة الحمراء المرتبط بالحزب الشيوعي الألماني عام 1924، كتحية ورمز للحركة. ثم ظهرت بصورة بارزة لدى الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، حيث ارتبطت بما عُرف بتحية الجبهة الشعبية والتحية المناهضة للفاشية. لكن المفارقة المهمة هي أن الرمز لم يبقَ حكراً على أيديولوجية واحدة. ففي العقود اللاحقة، أعادت حركات مختلفة استخدامه، من الاشتراكيين والنقابيين إلى حركات الحقوق المدنية وBlack Power، ثم الحركات النسوية وحركات التحرر وغيرها. وفي أولمبياد مكسيكو عام 1968، أصبحت القبضة المرفوعة إحدى أشهر الصور السياسية في القرن العشرين عندما رفع العداءان الأميركيان تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما خلال عزف النشيد الأميركي، في احتجاج مرتبط بحركة الحقوق المدنية وحقوق الإنسان. وهكذا أصبح للقبضة قاموس واسع:مقاومة. تضامن. وحدة. قوة. تحد. نضال. تصميم.لكن معناها يتغير بحسب من يرفعها، ولماذا، وفي أي سياق؟ القبضة تصل إلى لبنانفي لبنان، للقبضة المرفوعة تاريخ قريب جداً ومحدد في الذاكرة الجماعية.خلال انتفاضة 17 تشرين 2019، أصبحت قبضة ضخمة مرفوعة، كُتبت عليها كلمة "ثورة"، واحدة من أبرز الرموز البصرية للحراك اللبناني. وُضعت مجسمات القبضة في قلب بيروت، وانتشرت صورها ورسومها في أماكن مختلفة من البلاد. لم تكن المسألة مجرد تصميم غرافيكي جميل. كانت القبضة آنذاك تقول بوضوح :هناك شعب يرفع يده ويقول إنه لن يتراجع. ولذا فإن القبضة في السياق اللبناني تحمل طبقة إضافية من المعنى لا يمكن تجاهلها. فهي ليست فقط رمزاً عالمياً للمقاومة، إنها أيضا جزء من الذاكرة البصرية اللبنانية الحديثة. واللافت أن مجسم قبضة "الثورة" نفسه تعرض للحرق في ساحة رياض الصلح في تشرين الثاني 2019، ما أظهر مدى القوة الرمزية التي اكتسبها. قبضة ترامبهنا يصبح المشهد أكثر إثارة للاهتمام. دونالد ترامب لم يخترع القبضة المرفوعة، ولم يبدأ باستخدامها عام 2024 .فقد استخدمها منذ عقود وفي مناسبات مختلفة، بوصفها إشارة إلى الاحتفال أو القوة أو التحدي. لكن صورة 13 تموز 2024 غيرت مكانة هذه الإشارة في صورته السياسية. بعد محاولة اغتياله خلال تجمع انتخابي في بتلر بولاية بنسلفانيا، وقف ترامب، والدماء على وجهه، ورفع قبضته بينما كان عناصر الخدمة السرية يحيطون به، وظهر وهو يردد ″Fight″، لتتحول الصورة خلال ساعات إلى واحدة من أكثر الصور السياسية شهرة في الانتخابات الأميركية . الصورة الكاملة جعلتها تقرأ بصرياً كالآتي: لقد تعرضت للهجوم، لكنني ما زلت واقفا.من الناحية الاتصالية، هذه صورة قوية جداً، لأنها تختصر قصة كاملة في حركة واحدة.وقد أشار تحليل متخصص في لغة الجسد إلى أن ترامب استخدم القبضة على مدى عقود بوصفها إشارة إلى الاحتفال أحياناً، وإلى التحدي أحياناً أخرى؛ ولذلك يمكن أن تعمل الحركة لدى جمهوره كإشارة تضامن مع المؤيدين وتحد للخصوم في الوقت نفسه. وهذه نقطة مهمة جداً لفهم قوة الرمز :إنه لا يقول شيئاً واحداً بالضرورة. ظهور الرئيس اللبناني جوزف عون في صور أو ملصقات بقبضة مرفوعة لا يكفي وحده ليثبت أن هناك اقتباساً مباشراً من ترامب، أو أن فريق عون استوحى الصورة منه. بل إن هناك سبباً لبنانياً قوياً يجعل استخدام القبضة مفهوماً حتى من دون أي علاقة بترامب :القبضة موجودة أصلاً في الذاكرة السياسية والبصرية اللبنانية منذ 2019. كما أن صورة عون السياسية مختلفة عن صورة ترامب