لم يكن النظام السوري الساقط معنياً بتاريخ سوريا إلا بمقدار ما يخدم سرديته ويكرّس سلطته. سعى إلى اختزال بلد تتعاقب حضاراته منذ آلاف السنين في حقبة حافظ الأسد، حتى بدا أن التاريخ يبدأ عنده وينتهي باسمه. وبين شعارات "القائد إلى الأبد" وتماثيله التي ملأت الساحات والمؤسسات، تحوّل الفضاء العام إلى أداة لفرض الولاء، وتراجعت ذاكرة البلاد أمام الحضور الطاغي للحاكم. لم تغيّر المنحوتات التي أُقيمت لشخصيات تاريخية، قديمة وحديثة، جوهر هذه السياسة. فقد بقي الاحتفاء بالتاريخ انتقائياً، محكوماً بحاجات السلطة. وفي المقابل، عانت مبانٍ تاريخية، خصوصاً في دمشق القديمة، من الاستملاك والإهمال وتبديل الاستخدام، وتحول بعضها إلى مطاعم ومقاهٍ. وليست المشكلة في توظيف المباني اقتصادياً بحد ذاته، بل في إفراغها من هويتها، وتشويه عناصرها المعمارية، وفصلها عن محيطها الاجتماعي. حين اندلعت الثورة السورية في عام 2011، حطّم متظاهرون في بعض المناطق تماثيل حافظ الأسد، تعبيراً عن رفض التقديس المفروض عليهم. كان إسقاط التمثال، في الوعي الشعبي، إسقاطاً رمزياً لسلطة احتكرت الشارع والذاكرة معاً. ومع سقوط النظام، أُزيلت تماثيل أخرى ارتبطت بهذه المنظومة، في مشهد عبّر عن نهاية مرحلة ثقيلة في حياة السوريين. لكن الخروج من عبادة الحاكم لا يبرّر الدخول في خصومة مع النحت، ولا يمنح أحداً الحقّ في التعامل مع كل تمثال بوصفه امتداداً للاستبداد أو "صنماً" تجب إزالته. فالتمييز ضروري بين رموز فُرضت لتأبيد السلطة، وأعمال فنية تستحضر شخصيات تاريخية، أو تعبّر عن ذاكرة جَمعيّة. في هذا السياق، أثارت طريقة نقل تمثال الشهداء من ساحة سعد الله الجابري في حلب، وتضرّر أجزاء منه خلالها، أسئلة تتجاوز مصير عمل فني واحد إلى مستوى المسؤولية عن صون معالم المدن. وقد أعلنت الجهات المعنية أن النقل يندرج ضمن تأهيل الساحة والحفاظ على التمثال، لكن هذه المبررات لا تعفي من مساءلة التنفيذ الذي ألحق الضرر به. كذلك أثار نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعة دمشق إلى محيط بانوراما حرب تشرين اعتراضات وتساؤلات. ومع أن السبب المعلن هو الصيانة والترميم ضمن تأهيل محيط القلعة، فإن ذلك يستدعي شرحاً واضحاً لخطة العمل ومصير التمثال وموقعه بعد إنجازها. فصلة العمل الفني بمكانه جزء من قيمته، وليست تفصيلاً يمكن تجاهله بقرار إداري. نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعة دمشق أما النظرة التي تختزل المنحوتات في "أصنام"، فتفتح الباب أمام موقف عدائي من الفنون التشكيلية ومن حق المجتمع في التعبير عن تاريخه بصرياً. السوريون يتأملون هذه الأعمال ويختلفون حولها؛ والاحتفاظ بتمثال في ساحة عامة لا يعني عبادته أو تقديس صاحبه. ولا تقتصر القضية على التماثيل. فالمباني التاريخية أيضاً ليست كتلاً عقارية من دون هوية، تُقاس قيمتها بعائدها التجاري وحده. هذه المباني شواهد على حياة الناس وحِرفهم وعلاقاتهم، وخسارتها تقتطع جزءاً من ذاكرة المدينة لا يعوّضه بناء جديد. الخروج من عبادة الحاكم لا يبرّر الدخول في خصومة مع النحت، ولا يمنح أحداً الحقّ في التعامل مع كل تمثال بوصفه امتداداً للاستبداد أو "صنماً" تجب إزالته هنا تقع مسؤولية مباشرة على وزارة الثقافة السورية والجهات الأثرية والبلديات، بالشراكة مع المجتمع المدني والأحزاب وأهل الاختصاص. فالمطلوب توثيق المعالم، وإعلان معايير التدخل فيها، ومنع العبث بها، وصيانتها بمواد وأساليب تحافظ على طابعها المعماري، وإشراك السكان في القرارات التي تمس ذاكرتهم. لقد خسرت سوريا ما يكفي من آثارها وتراثها. وحمايتها اليوم مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل. فاستعادة البلاد من الاستبداد ينبغي أن تعني استعادة تاريخها بتعدده وغناه، وصون حق الأجيال المقبلة فيه.