في السابع عشر من تشرين الأوّل 2019، خرج اللبنانيّون من مغبة الأزمات إلى مجابهة أسبابها، ومن براعتهم التاريخيّة في تدبير العيش على حافّة الهاوية إلى مساءلة النظام الذي جعل الهاوية شرطًا دائمًا للحياة. يومها، انقلبت المعادلة الّتي حكمت علاقة المجتمع بالسلطة عقودًا، وخرج الغضب من البيوت والمقاهي والجامعات وأماكن العمل، ليحتلّ الساحات ويعيد رسم الحدود بين الممكن والمستحيل. كانت البلاد تعيش تصدّعات انهيارها الماليّ، وكانت الزبائنيّة السياسيّة تفقد قدرتها على شراء الولاءات، فيما تحوّلت الشوارع إلى مساحةٍ نادرة التقى فيها اللبنانيّون خارج القوالب الّتي اعتاد النظام توزيعهم عليها. ولبرهةٍ في تاريخه الحديث، بدا أنّ المجتمع اللّبنانيّ الذي أمضى عقودًا في التأقلم مع اختلال الدولة، قرّر استعادة حقّه في تقرير شكلها ووظيفتها ومصيرها. سبع سنواتٍ انقضت على تلك اللحظة. تعاقبت الحكومات، وانفجرت بيروت، وتبخّرت الودائع، وتوالت الفراغات الدستوريّة والحروب والتهجير، وتحوّلت الهجرة إلى أفقٍ مفتوح أمام جيلٍ حمل يومًا أحلام التغيير. وفي غضون ذلك، استعادت المنظومة السّياسيّة قدرتها على المناورة، وأعادت ترتيب تحالفاتها وتوازناتها، فيما سلكت الانتفاضة مساراتٍ متشعّبة، من الشوارع إلى المجموعات السّياسيّة والطلّابيّة، ومنها إلى صناديق الاقتراع والمقاعد النيابيّة. تبدّل مشهد الساحات، وتغيّرت مواقع الفاعلين، وتراجعت قدرة الاعتراض على التعبئة، فيما ظلّت بنية الحكم أكثر تماسكًا من المشاريع الّتي نشأت لمواجهتها. اليوم، تستدعي الذكرى السابعة مراجعةً تتجاوز الحنين إلى صور الحشود والهتافات، وتذهب إلى صلب التجربة: كيف تحوّلت طاقةٌ اجتماعيّة هائلة إلى قوى سياسيّة محدودة التأثير؟ وكيف استطاعت السلطة امتصاص الصدمة الأولى واستعادة المبادرة؟ وأيّ أثرٍ تركته الانتفاضة في المجتمع، وفي وعيه السياسيّ، وفي إمكانيّة نشوء بديلٍ عن النظام القائم؟ وبين اختراقٍ اجتماعيّ تحقّق، وتنظيمٍ سياسيّ تعثّر، وتجربةٍ نيابيّة تتأرجح بين الإنجاز والعجز، تنكشف المفارقة الأشدّ تعبيرًا عن حصيلة السنوات السبع: لقد اتّسعت المسافة بين ما بات اللبنانيّون قادرين على تخيّله، وما لا تزال موازين القوّة تسمح لهم بتحقيقه. الانتفاضة التي اخترقت المجتمع لعلّ أوّل ما ينبغي استعادته أنّ 17تشرين لم تخلق الاعتراض من عدم، بل أخرجته من هامشه التاريخيّ إلى المجال العام. فالمجموعات الحقوقيّة والنسويّة والبيئيّة والطلّابيّة، والتيّارات العلمانيّة واليساريّة، كانت موجودةً قبل الانتفاضة بسنوات، وخاضت معارك متفرّقة ضدّ السلطة ومنظومات مصالحها. لكنّها ظلّت عاجزةً عن تحويل مطالبها إلى قضيّةٍ وطنيّة جامعة، إلى أن جاء الانهيار الماليّ ليكشف حدود الزبائنيّة السياسيّة، وليُسقط الوهم الذي قامت عليه العلاقة بين الزعيم وجمهوره، أي مقايضة الولاء بالحماية والخدمات. في هذا السياق، يعتبر منسّق شبكة "مدى" وحركة "مسار"، كريم صفي الدين، في حديثه إلى "المدن"، أنّ الإنجاز الأبرز للانتفاضة تمثّل في اختراق البنية الاجتماعيّة اللبنانيّة، وإبراز شريحةٍ كانت موجودةً أصلًا، لكنّها بقيت هامشيّة ومحدودة التأثير. ويقدّر هذه الشريحة بنحو 5 إلى 10 في المئة من المقيمين في لبنان، ممّن استطاعوا التعبير عن رؤيةٍ سياسيّة واجتماعيّة تتجاوز الانقسامات الطائفيّة التقليديّة. ولم يقتصر هذا الاختراق على رفض الزعامات أو المطالبة بمحاسبة الفاسدين. فوفق صفي الدين، شجّعت الانتفاضة اللبنانيّين، بمن فيهم أفرادٌ داخل البيئات الحزبيّة نفسها، على إعادة التفكير في طبيعة الدولة والعلاقات الاجتماعيّة وأشكال تنظيم المجتمع. وبذلك، كسرت محرّماتٍ سياسيّة وفكريّة، وفتحت النقاش في مسائل لطالما جرى التعامل معها بوصفها من ثوابت الاجتماع اللبنانيّ. ومن هذه النواة، وفق تقديره، تبلورت قاعدةٌ اعتراضيّة أوسع، تجلّت في نحو 400 ألف صوت خلال الانتخابات النيابيّة عام 2022، فضلًا عن حضورٍ متنامٍ في الاستحقاقات الجامعيّة والبلديّة. ويستشهد صفي الدين باستمرار الحضور الانتخابيّ للنادي العلمانيّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وبروز مجموعاتٍ طلّابيّة ترفض الانخراط في لوائح الأحزاب الطائفيّة. غير أنّ هذا التحوّل، على أهميّته، لم ينجح في تجاوز معضلته البنيويّة. فالمجتمع الذي استطاع إنتاج اعتراضٍ عابر للطوائف، لم يستطع إنتاج تنظيمٍ سياسيّ يوازي طموحاته. وبين الحماسة الثوريّة والانضباط الحزبيّ، ضاعت إمكانيّة تحويل الغضب إلى مؤسّساتٍ دائمة. لم تكن الانتفاضة تواجه طبقةً سياسيّة فاقدةً للشرعيّة الشعبيّة فحسب، بل منظومةً متشابكةً من المصالح الماليّة والطائفيّة والإداريّة والإعلاميّة، تمتلك من أدوات البقاء أكثر ممّا تملك من القدرة على الحكم. ولذلك، لم يكن كافيًا أن تنزع الساحات شرعيّة النظام