"لم تكن ثورة 17 تشرين مجرّد غضب على ضريبة، ولا انفجاراً عابراً سبّبته أزمة معيشية. كانت، في معناها الأعمق، لحظة حاول فيها اللبنانيون استعادة حقهم في تقرير مصيرهم. فحق الشعوب في تقرير مصيرها لا يعني فقط تحرّر شعب من احتلال أجنبي أو اختيار شكل دولته. معناه السياسي الأعمق أن يكون الشعب هو مصدر الشرعية، وأن يمتلك حق اختيار مستقبله، وأن تكون الدولة التي يعيش فيها تعبيراً عن إرادته، لا رهينة قوة مسلّحة أو منظومة مصالح أو قرار يتجاوز مؤسساتها. وهذا تحديداً ما جعل 17 تشرين لحظة مختلفة. فجأة، خرج اللبنانيون من طوائفهم ومناطقهم ومساحاتهم المغلقة إلى المجال العام. اكتشفوا، ولو لفترة قصيرة، أن تحت رماد اليأس شعباً لا يزال حيّاً، يستطيع كسر الخوف، ومساءلة السلطة، والقول لمن اعتقدوا أنهم روّضوه: لسنا رعاياكم. لكن 17 تشرين كشفت في الوقت نفسه حقيقة أكثر قسوة: الشعب يستطيع أن يثور، لكن الغضب وحده لا يصنع تغييراً. فالثورات لا تنتصر بكثافة الحشود فقط. تحتاج إلى قيادة وتنظيم ورؤية ومشروع سياسي يعرف كيف يحوّل غضب الشارع إلى ميزان قوة، ثم إلى مؤسسات وبديل وحكم. وهذا كان أحد أكبر أوجه القصور في 17 تشرين. كان هناك شعب، وكانت هناك قضية، وكان هناك غضب عابر للطوائف، لكن لم تكن هناك قيادة بحجم اللحظة. وفي المقابل، كانت هناك منظومة تعرف تماماً ماذا تريد وكيف تدافع عن نفسها. لقد أظهرت تجربة 17 تشرين أن أي تغيير حقيقي في لبنان لا يصطدم فقط بطبقة سياسية فاسدة أو بنظام محاصصة تقليدي، بل ببنية قوة أكثر تعقيداً. وفي قلب هذه المعادلة يقع حزب الله بما يمتلكه من قوة سياسية وعسكرية وتنظيمية، وبما نشأ، في مراحل مختلفة، من تقاطع مصالح بينه وبين مكوّنات داخل السلطة وبنى نافذة في الدولة وبعض الأجهزة العسكرية والأمنية. وهنا تصبح المسألة أبعد من مكافحة الفساد. فأي شعب لا يستطيع أن يقرر، عبر مؤسساته الدستورية وحدها، مسائل الحرب والسلم والسياسة الخارجية والأمن والاستراتيجية الوطنية، يواجه مشكلة في جوهر حقه في تقرير مصيره. لأن السيادة ليست علماً ونشيداً وحدوداً فقط؛ السيادة، أولاً، هي أن يكون القرار النهائي للشعب من خلال دولته. لكن 17 تشرين اصطدمت أيضاً بخطر آخر: سرقة الثورة من داخلها. فليس كل من نزل إلى الشارع ثائراً، وليس كل من رفع شعار «التغيير» تغييريّاً. كان هناك من نزل لأنه شعر فعلاً أن كرامته ومستقبل أولاده ودولته تُسرق أمام عينيه. وكان هناك أيضاً من رأى في غضب الناس فرصة: ركب الموجة، وارتدى لغة الثورة، ثم حاول تحويلها إلى سلّم شخصي نحو موقع أو مقعد أو نفوذ. وهنا يكمن أحد أهم دروس 17 تشرين. يجب التمييز بين من يحمل قضية الناس ومن يحمل الناس إلى قضيته الشخصية، بين من يريد تغيير النظام ومن يريد فقط تحسين موقعه داخله، بين من يدفع ثمن موقفه ومن يكتشف «الثورة» عندما تصبح استثماراً سياسياً مربحاً. لذلك، القول إن 17 تشرين فشلت ليس دقيقاً تماماً. هي فشلت في إنتاج تغيير سياسي بحجم اندفاعتها، لكنها نجحت في كشف الكثير. كشفت حيوية اللبنانيين، وهشاشة شرعية المنظومة، وقوة المصالح المتجذرة، وحدود الثورة العفوية، وخطورة غياب القيادة. والخلاصة ربما هي الأهم للمستقبل، لبنان لا تنقصه طاقة الاعتراض. ولا ينقص اللبنانيين الغضب ولا الشجاعة. ما ينقصهم هو مشروع وقيادة. قيادة لا تركب غضب الناس بل تحمله. لا تستخدم الثورة للوصول إلى النظام، بل تبني بديلاً عنه. ولا تختصر السيادة بشعار، بل تجعلها حق اللبنانيين في أن يكونوا، هم وحدهم، أصحاب القرار في دولتهم. لأن حق الشعوب في تقرير مصيرها يبدأ، قبل أي شيء، بحقها في امتلاك دولتها. و17 تشرين، في جوهرها، كانت محاولة اللبنانيين لاستعادة هذا الحق."