في عام 2015، قال لي مسؤول رفيع المستوى في أحد مكاتب مصرف لبنان، خلال لقاء صحافي خاص، عبارة لا تزال عالقة في ذاكرتي: “القطاع المصرفي يحمل مالية الدولة على أكتافه”. ثم أضاف: “الدولة كالشركة التي تستدين لدفع رواتب موظفيها، ونهايتها الإقفال”. لم أُعطِ ذلك الكلام يومها الأهمية التي يستحقها. فوسط الأوهام التي كانت المصارف ترسمها، والشعارات التي ترفعها، والأرقام التي تتباهى بها، والسباق لاستقطاب الودائع، بدا التحذير أقرب إلى وجهة نظر أو تنبيه اقتصادي عابر. وكان رياض سلامة لا يزال على رأس مصرف لبنان، محاطاً بالجوائز والتكريمات الدولية، ومقدَّماً على أنه أحد أبرز حكّام المصارف المركزية في العالم. لكنني أستعيد تلك الكلمات اليوم، بعد أكثر من عقد، في مستهل حديثنا عن مسؤولية المصارف في ضياع أموال اللبنانيين: العجزة والمرضى والطلاب والمتقاعدين، وحتى الأطفال الذين لم يكونوا قد بدأوا حياتهم بعد. فهل كانت الدولة والمصارف تدركان حجم المأزق الذي بلغته المالية العامة والقطاع المصرفي؟ يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف واصلت المصارف استقطاب الودائع وإغراء اللبنانيين بالعروض والبرامج، فيما كانت المؤشرات تنذر بخطر متزايد، ومصير هذه الأموال يزداد غموضاً؟ بعد 7 سنوات على انفجار الأزمة، ما يوجع اللبنانيين، والمودعين خصوصاً، أن التحذيرات من المخاطر لم تكن غائبة. ففي تموز 2019، قبل أشهر قليلة من الانهيار، حذّر صندوق النقد الدولي من تفاقم الاختلالات المالية، وارتفاع الدين العام، وتراجع تدفقات الودائع، وتزايد انكشاف المصارف على مصرف لبنان والدولة. وهذا ما يضعف رواية المصارف التي تقدم نفسها بوصفها ضحية المنظومة، ويطرح أسئلة جدية عن دورها في صناعة الكارثة. وفي حديث لـ”ليبانون ديبايت”، قال رئيس جمعية المودعين حسن مغنية، رداً على سؤال عن مصير أموال المودعين: “العبارات تختلف، المصارف لم تفرّط بأموال المودعين، بل سرقتها”. واستند في اتهامه إلى ما أورده البنك الدولي عن نموذج “بونزي”، واصفاً ما جرى بأنه “عملية احتيال ممنهجة”، نُفذت، وفق توصيفه، بالتعاون والتنسيق بين المصارف ومصرف لبنان والحكومات المتعاقبة. ولا يقتصر اتهام مغنية على سوء الإدارة أو التفريط، بل يتحدث عن منظومة مصالح مترابطة بين القطاعين المصرفي والسياسي. ويصف “اللوبي المصرفي” بأنه الأقوى في لبنان، معتبراً أن تداخله مع لوبي الأحزاب يجعل الفصل بينهما بالغ الصعوبة. ويقول مغنية إن الغالبية الساحقة من المصارف اللبنانية يملكها سياسيون، ويرى في ذلك تفسيراً لعدم لجوء المصارف إلى مقاضاة مصرف لبنان أو الحكومات اللبنانية على خلفية الخسائر التي لحقت بالودائع. أما تبادل المسؤوليات بين أطراف الأزمة، فيعتبره مغنية جزءاً من آلية التنصّل من المحاسبة: فالمصارف تحمّل مصرف لبنان المسؤولية، ومصرف لبنان يعيدها إلى الدولة، فيما تحمّل الدولة مصرف لبنان المسؤولية، في حلقة لا تنتهي إلى محاسبة واضحة. ويقول إنه تحدث منذ الأيام الأولى للأزمة عن هذا التبادل في الأدوار، الذي يتيح لكل طرف التهرب من مسؤوليته عن مصير أموال المودعين. ومن أخطر ما يورده مغنية أن المصارف كانت تدرك، قبل تشرين الأول 2019، المسار الذي تتجه إليه البلاد. ويستشهد بتحذيرات صندوق النقد خلال زيارته إلى لبنان في آذار 2019، إذ حذّر الحكومة من الانهيار، وقال، بحسب مغنية، إنها لم تعد قادرة على سداد ديونها، داعياً إلى البحث عن حلول. كما يتحدث عن تقرير للصندوق قال إن مصرف لبنان حذف صفحات منه، وعن تحويل مصارف مليارات الدولارات إلى الخارج في حزيران وتموز 2019، قبل اندلاع الأزمة بأشهر. ويصف مغنية ما أصاب الودائع بأنه “جريمة العصر”، لكنه يرفض القول إن حقوق المودعين ضاعت نهائياً، معتبراً أن القضية دخلت في دوامة من التعقيدات والتجاذبات. وفي هذا السياق، يكشف أن دراسة أجرتها جمعية المودعين اللبنانيين أظهرت وفاة نحو 39 ألف مودع لبناني بين عامَي 2019 و2026، لأسباب مختلفة، بينها المرض والجلطات والفالج والحرب. ويشير إلى أن ورثة هؤلاء قد يواجهون إجراءات طويلة لإثبات حقوقهم في الحسابات، ثم قيوداً مصرفية وتعاميم تحدد كيفية السحب، ومنها التعميم 166، حتى عندما تكون الوديعة بالدولار ومودعة قبل الأزمة. وعن إمكان استرداد الودائع، لا يجزم مغنية بأنها ضاعت نهائياً، لكنه يبدي تشاؤماً حيال استرداد مبالغ تتجاوز ما تتيحه تعاميم مصرف لبنان الحالية. وبعد 7 سنوات على الانهيار، يرى مغنية أن المصارف لم تفقد ثقة المودعين فحسب، بل سقطت، وفق تعبيره، “أخلاقياً ومهنياً وعملياً وبكل أنواع السقوط”، وتحولت إلى “دكاكين” يصعب أن يثق بها مواطن عاقل. بعد أكثر من عقد على التحذير الذي سمعته عام 2015، لم يعد السؤال مقتصراً على مصير أموال المودعين، بل بات يتعلق بكيفية استمرار المصارف في استقطاب مدخراتهم و