ليس تفصيلا أن تمر سبع سنوات على الإنهيار المالي والاقتصادي في 2019، وأن يبقى الشعب اللبناني غارق في مستنقعها الآسن فيما تحالف السلطة السياسية والمصرفية، يتلذذون في مشاهدة معاناتنا ويُمعنون في المماطلة والتسويف لوضع البلاد والعباد على سكة الحل. فتداعيات السرقة الموصوفة التي وقعت على مليون ونصف مودع، لم تعد مقتصرة على الخسائر المالية وتراجع القدرة الشرائية، بل باتت ترتبط بمستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على الحفاظ على دورها الاقتصادي والاجتماعي والوطني، خصوصا أن كل محاولات جرّ هذا التحالف إلى قفص المساءلة والمحاسبة باءت بالفشل للأسف. بلغة الإقتصاد وللتذكير بما حصل، منذ انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، واجه لبنان انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق وعن سابق تصوّر وتصميم من تحالف السلطة السياسية والمصارف، أدى إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وتآكل القدرة الشرائية، وتفاقم الفقر(80 بالمئة من اللبنانيين يعانون من فقر متعدد الابعاد بحسب توصيف البنك الدولي، وانهيار الطبقة الوسطى )، وهجرة أعداد كبيرة من اللبنانيين (729.069 شخصا منذ 2019 و حتى 2026 بحسب تقرير أعده الوزير السابق شربل نحاس). لكن تداعيات الأزمة تجاوزت المؤشرات الاقتصادية لتطال العلاقة بين المواطن والدولة، وتطرح تساؤلات حول المسار الذي يسلكه البلد و هل لا يزال التغيير السياسي ممكناً، أم أن المجتمع يتجه نحو مزيد من التفكك؟ في قراءة هذا المسار، يميّز الخبراء بين ثلاثة مفاهيم: الثورة التي تستهدف تغيير السلطة، والتفكك الذي يعني انتقال وظائف الدولة إلى جهات محلية أو حزبية أو خاصة، والتفتيت الذي قد يقود إلى انقسام الكيان نفسه. ويحصل في لبنان منذ 7 سنوات هو التفكك و التفتيت بسبب تعنت السلطة -المصارف بعدم الخروج من الأزمة. من الخسارة المشتركة إلى المصالح المتباينة شكّلت الأزمة المالية في بدايتها عاملاً جامعاً لفئات واسعة من اللبنانيين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة انهيار العملة واحتجاز الودائع وتراجع مستوى المعيشة. لكن الخسائر لم تتوزع بالتساوي؛ فهناك من استطاع الانتقال إلى دخل بالدولار والتكيّف مع الظروف الجديدة، مقابل فئات أخرى فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية وانزلقت إلى الفقر. هذا التفاوت أضعف المصالح المشتركة التي جمعت المُحتجين عام 2019، فيما دفعت البطالة وتراجع الفرص الاقتصادية والهجرة شرائح من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج لبنان، على حساب المشاركة في الحياة السياسية والمدنية، وبدلاً من أن تتحول الأزمة إلى ضغط اجتماعي متواصل لإحداث تغيير جذري، انشغل كثيرون بتأمين احتياجاتهم اليومية، من الكهرباء والاستشفاء إلى التعليم والسكن. المصارف في قلب الأزمة: ودائع محتجزة وثقة مفقودة لا يمكن قراءة مسار الانهيار اللبناني من دون التوقف، عند الدور الذي لعبه القطاع المصرفي في تعميق الأزمة. فمنذ عام 2019، حُرم المودعون من الوصول الحر إلى أموالهم، في ظل قيود مصرفية غير موحّدة قانونياً على السحوبات والتحويلات، وتراجع حاد في قيمة الودائع الفعلية. وقد كشف هذا الواقع هشاشة النموذج المالي الذي اعتمد طويلاً على استقطاب الودائع لتمويل الدولة وتثبيت سعر الصرف، مع تأجيل مُتعمّد للمعالجة الشاملة للخسائر وتوزيع المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، بهدف الابقاء على المصارف "الزومبي". ولم تقتصر التداعيات على الخسائر المالية، بل إمتدت إلى الاقتصاد الحقيقي، مع تراجع قدرة الشركات على التمويل والاستثمار، وتآكل الثقة بالقطاع المصرفي. وفي ظل غياب حل عادل ومُستدام لأزمة الودائع، تحوّلت المُدخرات من ركيزة للاستقرار الاقتصادي إلى مصدر دائم للقلق الاجتماعي، فيما بقيت استعادة الثقة مشروطة بإعادة هيكلة القطاع، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وضمان حقوق المودعين ضمن خطة واضحة وشفافة، وهذا ما لم نراه حتى الآن ويبدو أننا لن نحصل عليه قريبا، في ظل الألاعيب التي يمارسها المصرفيون لتحميل المودعين والدولة مسؤولية الانهيار وإعفاء أنفسهم. أحد أبرز التحولات التي رافقت الانهيار هو توسّع الاعتماد على الحلول الفردية والبدائل الخاصة. فالمولّدات الخاصة حلّت مكان الكهرباء العامة، والمدارس والمستشفيات الخاصة أصبحت خياراً أساسياً لمن يستطيع تحمّل تكاليفها، فيما ازدادت أهمية التحويلات المالية من الخارج والمساعدات التي تقدمها الأحزاب والجمعيات والشبكات العائلية. ومع اتساع الاقتصاد النقدي وتراجع التعاملات عبر القطاع المصرفي، تقلّصت قدرة الدولة على مراقبة النشاط الاقتصادي وجباية الضرائب وتوفير الخدمات العامة، وهذا ما تسبب في تصنيف لبنان على اللائحة الرمادية. وتبرز هنا مفارقة أساسية: كلما تراجعت قدرة الدولة على تلبية احتياجات المواطنين، إزداد اعتمادهم على الجهات التي تسدّ هذا الفراغ أي الزعماء التقليديين والأحزاب، مما ي