ليس تزامن الزيارتين الإيرانية والقطرية إلى بيروت هو ما يمنحهما أهميتهما السياسية، بل المرحلة التي جاءتا فيها. إذ يجد لبنان نفسه مجددًا أمام محاولات إقليمية ودولية لرسم مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب، فيما تتداخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مع الضغوط الإسرائيلية على الدولة اللبنانية وحزب الله. إذا كانت طهران تسعى إلى المحافظة على حضورها في المعادلة اللبنانية، فإن الدوحة تبدو معنية بتوسيع دورها في دعم الدولة وفتح مسارات دبلوماسية قد تساعد على تجنيب لبنان مزيدًا من التصعيد. زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، ولقاؤه رئيس مجلس النواب نبيه بري ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، لا يمكن فصلهما عن الاتصالات الجارية بين طهران وواشنطن، ولا عن الضغوط التي يتعرض لها حزب الله في الداخل وعلى الجبهة الجنوبية. فالزيارة، التي تزامنت مع اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس جوزاف عون، أتت أيضًا بعد أزمة دبلوماسية بين البلدين على خلفية سحب بيروت الموافقة على اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني. وهو ما يجعل مسألة إعادة تنظيم علاقة إيران مع المؤسسات اللبنانية حاضرة، بالتوازي مع المحافظة على قنوات التواصل مع حلفائها. واللافت أن خطيب زاده، بحسب مصادر متابعة، أبدى تشكيكًا بجدوى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وربط استمرار المقاومة ببقاء الاحتلال الإسرائيلي. مشيرة إلى أن هذا الموقف يعكس مقاربة إيرانية تعتبر أن التفاوض، في غياب تغيير ميداني أو ضمانات واضحة، قد يتحول إلى وسيلة لفرض الشروط الإسرائيلية. من هنا، يمكن فهم الزيارة باعتبارها محاولة لاستطلاع المواقف اللبنانية وتأكيد حضور إيران في أي نقاش يتصل بمستقبل حزب الله وسلاحه، من دون وجود ما يثبت أنها حملت عرضًا تفاوضيًا محددًا. أما الزيارة القطرية، التي يقوم بها رئيس الوزراء وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، فتحمل حسابات مختلفة. فالدوحة تمتلك علاقات وثيقة بواشنطن وقنوات تواصل مع طهران، إلى جانب رصيد لبناني راكمته منذ إعادة إعمار الجنوب بعد حرب عام 2006 واتفاق الدوحة عام 2008، وصولًا إلى دعم الجيش اللبناني خلال الأزمة الاقتصادية. لذلك لا تقتصر أهمية الزيارة على الملفات الاقتصادية المطروحة، وفي مقدمها الكهرباء، بل تشمل أيضًا دعم المؤسسة العسكرية والبحث في سبل الحد من التصعيد ونقل رسائل تحذير إلى لبنان والحزب. غير أن الدور القطري، بحسب المصادر، يواجه بدوره حدودًا واضحة، إذ لا يكفي توفير الدعم المالي والسياسي لإنتاج استقرار مستدام، ما دامت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، وما دام مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب غير محسوم. وبالتالي، فإن أي تحرك قطري باتجاه التهدئة سيبقى مرتبطًا بمدى استعداد واشنطن للضغط على إسرائيل. تؤكد المصادر عبر "النشرة" عدم وجود معطيات معلنة تسمح باعتبار الزيارتين جزءًا من تنسيق إيراني–قطري، لكن تزامنهما يكشف أن لبنان حاضر في حسابات المرحلة الإقليمية المقبلة. فطهران معنية بألّا تتحول التسوية إلى إضعاف لحلفائها، فيما تريد الدوحة تعزيز دور المؤسسات اللبنانية وفتح نافذة للحلول السياسية.