لا يكفي أن تنشر بيروت قواتها ثم تعتبر المهمة منجزة، إذ يتعين عليها أن توفر لهذه القوات الغطاء القانوني اللازم لتفكيك القدرات العسكرية التي يخفيها "حزب الله" متذرعاً بحماية "الملكية الخاصة" في غير موضعها. من المتوقع أن تتناول المحادثات العسكرية الإسرائيلية اللبنانية العقبات الميدانية التي تعترض تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي الموقّع في حزيران/يونيو، ولا سيما تطبيقه في المناطق التجريبية. وتُعقد هذه المحادثات بين 20 و22 تشرين الأول/أكتوبر في مقر القيادة المركزية الأمريكية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، وهي تتيح أيضاً فرصة لتجاوز التفاصيل التقنية، إذ يمكن للأطراف أن تناقش بصراحة افتقار لبنان حتى الآن إلى الإرادة السياسية لمعالجة القضية الجوهرية المتمثلة في نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته. وقد يساعدها ذلك بدوره على التوصل إلى خطة ملموسة لتحقيق تقدم على الأرض. فعلى الرغم من انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، فإنه لم يبذل أي جهد للسيطرة على أسلحة الحزب أوقدراته العسكرية الأخرى هناك، بل تشير تقارير إلى أن عناصر الحزب عادوا إلى هذه المناطق. وتوفر محادثات تامبا فرصة لإعادة اتفاق الإطار المتعثر إلى مساره الصحيح، لكن ذلك مشروط باستعداد الأطراف لمعالجة العقبات القانونية وتفنيد الذرائع اللبنانية التي عرقلت تفتيش "الممتلكات الخاصة" التابعة لـ"حزب الله". آلية قانونية لتفتيش الممتلكات دأب "حزب الله" منذ زمن طويل على زرع بنيته التحتية العسكرية داخل التجمعات المدنية، حتى أصبحت الممتلكات الخاصة أهم ما تبقى له من أصول يستند إليها للحفاظ على هيمنته على لبنان. ومن ثم لا يستطيع الجيش اللبناني تفكيك هذه البنية بفعالية من دون تفتيش المساكن الخاصة، بدءاً بالمناطق التجريبية. وتحتج السلطات اللبنانية بأن الضمانات الدستورية تحول دون إجراء هذه العمليات، لكن القانون يوفر في الواقع آلية تتيح القيام بها عند الضرورة، وما ينقص هوالإرادة السياسية لاستخدام هذه الآلية. فالمادة 14 من الدستور اللبناني تنص على أن للمنزل حرمة لا يجوز انتهاكها، لكنها تستثني الحالات "التي يعينها القانون". ولذلك فإن السؤال المطروح هو: ما السند القانوني الذي يجيز تفتيش المساكن التي يُشتبه في أنها تخفي عتاداً عسكرياً تابعاً لـ"حزب الله"؟ وكما هوالحال في الولايات المتحدة، يتطلب تفتيش الممتلكات الخاصة في لبنان وفق الإجراءات الجزائية العادية الحصول على إذن قضائي، ويخضع كذلك لقيود متعددة. فعلى سبيل المثال، تشترط المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الحصول على موافقة مسبقة من النيابة العامة، في حين تحصر المادة 33 تفتيش المنازل في الفترة الممتدة بين الساعة الخامسة صباحاً والثامنة مساءً. وأي تفتيش يخالف هذه الإجراءات يكون عرضة للإبطال، وقد يواجه العناصر المشاركون فيه الملاحقة القضائية. وتفسر هذه العوامل جزئياً حالة الجمود الراهنة في المناطق التجريبية؛ ففي 29 تموز/يوليوصرّح النائب العام التمييزي أحمد الحاج بأنه لم يأذن بأي عملية تفتيش للمنازل في هذه المناطق. وقد أصاب المنتقدون حين رأوا أن أذونات التفتيش وفق الإجراءات الجزائية التقليدية ليست الأداة المناسبة لتطهير مناطق بأكملها من البنى العسكرية المخفية. غير أن أحد الحلول البديلة المقترحة، وهوإصدار إذن قضائي يشمل منطقة بأكملها، من شأنه أن يفتح ثغرة قانونية أخرى. فإجراءات القانون الجزائي تقوم على تحديد مسكن بعينه، وحضور شاغليه أومن يمثلهم، وتوثيق المضبوطات وفق الأصول القانونية. ومحاولة تنفيذ عملية واسعة النطاق للجيش اللبناني استناداً إلى هذا النوع من الأذونات ستجعل كل عملية تفتيش على حدة عرضة للطعن القانوني، وستضر بفرص الملاحقة القضائية، وستمنح "حزب الله" وسيلة أخرى لعرقلة العملية. ولحسن الحظ، ثمة أداة تشريعية أكثر متانة قائمة بالفعل. فالمرسوم الاشتراعي رقم 52، الصادر عن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في آب/أغسطس 1967، يجيز لمجلس الوزراء إعلان حالة الطوارئ أوالمنطقة العسكرية في أي جزء من الأراضي اللبنانية عند تعرض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية أوثورة مسلحة أواضطرابات تهدد النظام العام. ومن الواضح أن معظم هذه الشروط، إن لم يكن جميعها، متوفرة اليوم بعد ثلاث سنوات من الحرب والاضطرابات. وفي مثل هذه الظروف، تمنح المادة 4 من هذا المرسوم "السلطة العسكرية العليا"، أي الرئيس اللبناني جوزيف عون، صلاحية الإذن بتفتيش الممتلكات في أي وقت وفرض مصادرة الأسلحة والذخائر. ويشير المرسوم صراحة إلى المساكن، ويمنح صلاحيات تتجاوز ما تتيحه الإجراءات الجزائية العادية. وقد سبق للبنان أن لجأ إلى إعلانات طوارئ محددة النطاق الجغرافي والمدة، ومنها إعلان لمدة أسبوعين اقتصر على بيروت بعد انفجار المرفأ عام 2020. ولذلك فإن اعتماد المرسوم الاشتراعي رقم 52 مساراً