قطاف الزيتون في الجنوب بين الحرب وضيق الوقت يُشكّل موسم الزيتون أحد أبرز المواسم الزراعية في لبنان، نظرًا إلى مساهمته في دعم دخل المزارعين وتحريك قطاعات اقتصادية مرتبطة به، من القطاف والعصر إلى التعبئة والتسويق والتصدير. غير أن هذا الموسم يواجه هذا العام تحديات تتجاوز الاعتبارات الزراعية التقليدية، في ظل تداعيات الحرب في الجنوب، وما تفرضه من قيود على استثمار الأراضي والوصول إلى البساتين، فضلا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والعناية بالأشجار وعصر المحصول، وهي عوامل تنعكس مباشرة على حجم الإنتاج والأسعار في الأسواق. في وقت تفرض فيه هذه الظروف ضغوطًا إضافية على القطاع الزراعي، تبرز أهمية حماية الإنتاج المحلي وضمان استمرارية المواسم الزراعية، ولا سيما أن تعذّر قطاف المحاصيل في مواعيدها لا يعني خسارة موسم واحد فحسب، بل قد يؤدي إلى تداعيات تمتد إلى المواسم المقبلة، خصوصًا في المناطق التي تشكّل ركنًا أساسيًا في الإنتاج الوطني. وبين تراجع المساحات القابلة للاستثمار وارتفاع الكلفة والعقبات التي تواجه التصدير، تزداد الحاجة إلى إجراءات تتيح للمزارعين الوصول إلى أراضيهم، وتحمي الأسواق من المنافسة غير المشروعة، وتحافظ على استدامة إنتاج الزيت والزيتون في لبنان. الجنوب في قلب الأزمة الزراعية يؤكد رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي لـ "نداء الوطن"، أن "موسم الزيتون هذا العام يواجه تحديات كبيرة، في مقدّمها الحرب وتداعياتها على المناطق الجنوبية، التي تشكّل نحو 30 % من إجمالي إنتاج الزيتون في لبنان". ويشير إلى أن "أكثر من 50 % من إنتاج الجنوب بات معطّلا، إما نتيجة الحرب المباشرة، وإما بسبب عدم قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمار أشجارهم في ظل الأوضاع الأمنية القائمة". ويلفت الترشيشي إلى أن "قطاف الزيتون يرتبط بتوقيت محدّد لا يمكن تجاوزه من دون خسائر، إذ لا تستطيع الثمار انتظار تحسّن الظروف الأمنية إلى أجل غير معلوم". ويقول إن "المزارع الذي يتمكن من الوصول إلى أرضه وقطف محصوله في الوقت المناسب يستطيع إنقاذ إنتاجه، أما الذي يتعذّر عليه ذلك، فقد يخسر الموسم بأكمله، ما يفاقم الأعباء التي يتحمّلها القطاع الزراعي في الجنوب". وفي ما يتعلق بحجم الأضرار الفعلية، يوضح الترشيشي أنه "لا تتوافر حتى الآن بيانات واضحة ودقيقة تسمح بتحديد الخسائر التي لحقت بمناطق الإنتاج الجنوبية، سواء لناحية المساحات المتضررة أو حجم المحاصيل التي تعذّر قطافها. ومع ذلك، فإن حجم التعطيل الذي يواجه المزارعين يعكس حجم التحديات التي تحاصر الموسم، خصوصًا أن الجنوب يمثّل جزءًا أساسيًا من منظومة إنتاج الزيتون في لبنان". في المقابل، يوضح الترشيشي أن "الظروف المناخية والأمطار التي شهدها لبنان كانت جيدة، وأسهمت في إفادة الأشجار عمومًا، ما انعكس إيجابًا على الجانب الزراعي من الموسم. إلا أن هذه العوامل الإيجابية لا تكفي وحدها لضمان الاستفادة من المحصول، في ظل الصعوبات التي تمنع عددًا كبيرًا من المزارعين من الوصول إلى بساتينهم وقطف ثمارهم". ويشدد على أن "المشكلة الأساسية لا تكمن في الظروف المناخية هذا العام، بقدر ما ترتبط بتداعيات الحرب وقدرة المزارعين على استثمار أراضيهم. فمهما كانت الظروف الزراعية مؤاتية، تبقى الاستفادة من المحصول مرتبطة بإمكانية الوصول إلى الأشجار وقطف الزيتون في الموعد المناسب، وإلا تحوّلت العوامل المناخية الإيجابية إلى فرصة ضائعة لا يستطيع المزارع تعويضها بسهولة". الإنتاج يكفي السوق المحلية… والتصدير يواجه العقبات على مستوى توافر الزيت في الأسواق، يؤكد الترشيشي أن "الإنتاج، بصورة عامة، لا يزال مقبولا، ولا توجد مخاوف من انقطاع زيت الزيتون من السوق اللبنانية في المرحلة الراهنة". ويوضح أن "الكميات المنتجة تتجاوز حاجة الاستهلاك المحلي، ما يتيح للبنان تصدير جزء من إنتاجه إلى الخارج". غير أنه يلفت إلى أن "التصدير نفسه يواجه مجموعة من العقبات التي تحدّ من سهولة تصريف الإنتاج في الأسواق الخارجية، ما يزيد من صعوبة تسويق المحصول ويضع المزارعين أمام تحديات إضافية، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة على استثمار بعض المساحات الزراعية". وبين توافر الكميات اللازمة للسوق المحلية والصعوبات التي تعترض التصدير، يرى الترشيشي أن "التحدي لا يقتصر على تأمين الزيت للمستهلك اللبناني، بل يشمل أيضًا الحفاظ على استمرارية الإنتاج المحلي وضمان قدرة المزارعين على تصريف محاصيلهم، بما يتيح لهم تغطية التكاليف والاستمرار في زراعة الزيتون خلال المواسم المقبلة". أما في ما يتعلق بالأسعار، فيتوقع الترشيشي أن "ترتفع كلفة تنكة زيت الزيتون إلى نحو 150 دولارًا هذا العام، مقارنةً بما تراوح بين 100 و110 دولارات في العام الماضي". ويعزو هذه الزيادة إلى "تراجع المساحات ا