هل تقوم الدولة بواجبها في تنظيم حيازة السلاح ونقله؟ حين اعترض الجيش اللبناني، في تشرين الأول 2026، شاحنة تحمل 780 كيلوغرامًا من المتفجرات عند حاجز ضهر البيدر، تجاوزت دلالات الحادثة حجم الحمولة، لتطرح أسئلة تتصل بملابسات نقلها، والجهة المسؤولة عنها، وسلطة الدولة على الأمن والسلاح. وفي خضم هذه التساؤلات، جاء رد النائب إبراهيم الموسوي، الذي قال إن "المقاومة ليس لديها ما تخفيه أو ما تخجل منه"، كمدخل إلى تحليل كيفية تحرك الخطاب السياسي حين يجد تنظيم نفسه أمام حادثة قد تضع شرعيته موضع تساؤل. والمهم في هذا التصريح ليس أنه دفاع عن "حزب الله". المهم أنه يحاول أن يحدد مسبقًا الطريقة التي سيُفهم بها الحادث. إذا توقفنا عند عبارة "إذا صحت التقارير التي تربط الشاحنة بحزب الله"، نلاحظ أنها تُبقي مسافة بين هذا التنظيم والاتهام، من دون أن تنطوي على أي إقرار بصحة هذه الصلة. غير أن هذا التحفظ إزاء الوقائع يقابله جزم لا لبس فيه بالمكانة الأخلاقية لـ "المقاومة". فالصلة بالشحنة تبقى معلقة على شرط، أما شرعية "حزب الله" فتُقدَّم بوصفها مسلّمة لا تخضع للنقاش. هذا التباين هو لب الأمر. فبدل أن ينتظر المتحدث نتائج التحقيق، يرسم إطارًا جاهزًا يُقرأ في ضوئه كل ما سيظهر لاحقًا. وسواء كان ذلك مقصودًا أم لا، فالنتيجة واحدة: الحيلولة دون أن يتحول حادث مضر إلى خسارة تلقائية في السمعة والمكانة. واختيار كلمة "المقاومة" ليس تفصيلا. فهي لا تشير إلى تنظيم له سلوك يمكن محاسبته فحسب، بل إلى هوية سياسية كاملة. وبهذا يُربط اتهام محدد بسردية رمزية راسخة. وأمام جمهور يتماهى مع "المقاومة" بعمق، قد يفضي ذلك إلى أن يقرأ أي انتقاد لـ "حزب الله" على أنه طعن في القضية التي يزعم تمثيلها. والآلية هنا هي استحضار لإطار هوياتي موجود سلفًا ليؤثر في تلقي المعلومات الجديدة. المسؤولية تتراجع أمام الشرعية لكن الأسئلة الملموسة واضحة: من الذي نقل المتفجرات؟ إلى أين كانت متجهة؟ وبأي سلطة جرى نقلها؟ فجاء رد الموسوي ليحوّل النقاش إلى ساحة أخرى، هي كرامة المقاومة ومشروعيتها. وقد يغيّر هذا شروط الحوار. فبدلا من أن ينحصر الجدل في قانونية الشحنة وصاحب الصلاحية في نقلها، يتداخل مع سؤال أوسع: هل تتعرض مكانة "حزب الله" السياسية للاستهداف؟ ولا بد هنا من الفصل بين المسألتين. فالشرعية التاريخية أو السياسية التي يدعيها أي تنظيم لا تثبت قانونية نشاط بعينه، حتى لو أثّر استحضارها في طريقة استقبال الاتهامات وتقييمها. كما لا يصح أن يقف التحليل عند "حزب الله". فالحكومة اللبنانية لا تستطيع التنصل من مسؤوليتها السياسية عن الظروف التي سمحت لتنظيم مسلح بالاحتفاظ ببنية عسكرية خارج السيطرة الفعلية للدولة. وعلى مدى عقود، ظل تعايش مؤسسات الشرعية مع قدرات هذا التنظيم العسكرية المستقلة يثير أسئلة جوهرية عن السيادة وإنفاذ القانون وقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها. والسؤال الأهم ليس فقط: هل يستطيع "حزب الله" تبرير أنشطته؟ بل أيضًا: هل تقوم الدولة بواجبها في تنظيم حيازة السلاح ونقله، وفي إنفاذ القانون، وفي منع أي جهة مسلحة من العمل خارج نطاق سلطتها؟ من هنا يصبح موقف الحكومة جزءًا من الصراع الأوسع على الشرعية. وقد وضع تعهد رئيس الحكومة نواف سلام بمتابعة التحقيق دون تساهل المساءلةَ وفرضَ سلطة الدولة في صلب الرد الرسمي. وهكذا تتحول القضية إلى اختبار: هل تستطيع الدولة أن تترجم سلطتها المعلنة إلى إجراءات فعلية؟ من معركة الرواية إلى اختبار السيادة في نهاية المطاف، تكشف هذه الحادثة عن تعارض يتجاوز حدود الخطاب السياسي: فبينما يسعى "حزب الله" إلى تحصين شرعية دوره العسكري المستقل، تبقى الدولة اللبنانية أمام مسؤوليتها في فرض سلطتها على الأمن والسلاح، وضمان ألّا تكون المساءلة خاضعة لموازين القوة أو لشرعيات موازية لشرعيتها. ومن هنا، لا تكمن أهمية رد الموسوي في ما يقوله عن صورة "المقاومة" فحسب، بل أيضًا في ما يتركه خارج النقاش: ملابسات الحادثة، والمسؤولية عن الشحنة، والمرجعية التي يُحتكم إليها لتحديد الحقيقة والمساءلة. فالخطاب قد يعيد تأطير الحادثة ويحمي المكانة الرمزية للتنظيم، لكنه لا يحسم الوقائع ولا يُسقط حق الدولة والمجتمع في مساءلة من يتحمل المسؤولية. وعند هذا الحد، يصبح الاختبار الحقيقي ليس من ينجح في الدفاع عن روايته، بل ما إذا كانت شرعية أي قوة مسلحة تستطيع أن تتقدم على سيادة الدولة، أو أن تعفي نفسها من المساءلة أمامها.