من عيتا الشعب ومارون الراس إلى بنت جبيل، ثم ميس الجبل وكفركلا والخيام، تتكرر الصورة نفسها: بيوت اختفت، أشجار اقتُلعت، ساحات فقدت ملامحها، وحتى المقابر جُرفت. كأن الحرب تستهدف الحجر وذاكرة المكان معاً. وفي القرى المتاخمة، لا تزال الغارات والنزوح والانتظار جزءاً من الحياة اليومية. عرف الجنوب الاحتلال والاجتياح والقصف مراراً، لكنه لم يعرف في تاريخه الحديث نكبة بهذا الاتساع. وبنت جبيل تختصر هذه الرحلة: مدينة احتضنت بعد التحرير عام 2000 خطاب النصر من ملعبها، حين وُصف الاحتلال بأنه "أوهن من بيت العنكبوت". واليوم عاد الاحتلال إلى أجزاء واسعة من الجنوب، وتحوّلت قرى كاملة إلى انتظار طويل للعودة والإعمار، فيما خلّفت الحرب آلاف القتلى والجرحى وندوباً اجتماعية لن تزول سريعاً. وحتى ملعب بنت جبيل نفسه، بكل ما حمله من رمزية، جرى جرفه. ماذا يبقى من زمن الانتصار إذا عاد الاحتلال، ولم يستطع الناس العودة إلى أرضهم وحقولهم وبيوتهم، وإلى تفاصيل حياتهم والأماكن التي صنعت ذكرياتهم؟ ليس السؤال إنكاراً للمقاومة ولا لتضحيات أهل الجنوب. إنه سؤال عن النتيجة. في 31 آذار 1978، حذّر الإمام موسى الصدر في جامع العاملية من أن مأساة الجنوب نتاج العدوان الإسرائيلي وإهمال الدولة معاً، مؤكداً حق الأهالي في الدفاع عن أنفسهم حين تتخلى الدولة عن واجبها، من دون أن يعني ذلك إلغاءها. وبعده حذّر محمد مهدي شمس الدين من أن تتحول هذه الضرورة إلى مشروع دائم خارج الدولة، أو أن يتحمل أهل الجنوب وحدهم أعباء قضايا الأمة. بين الصدر وشمس الدين تختصر المعضلة: حق الدفاع عند غياب الدولة، وضرورة العودة إليها كي لا يصبح الاستثناء قاعدة. منذ 1948، وجد جبل عامل نفسه على خطوط صراعات أكبر منه. جاء اتفاق القاهرة عام 1969، فصار الجنوب ساحة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وبعد الثورة الإيرانية والاجتياح والاحتلال، انتقل إلى إحدى الجبهات الأكثر تقدماً في المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية. تبدلت الحروب، وبقيت الأرض تدفع الثمن. لكن جبل عامل لم يكن يوماً مجرد جبهة. فيه تداخل الديني بالسياسي والاجتماعي، وتجاورت خيارات ومدارس مختلفة. وهنا تستعيد فكرة أمين معلوف في «الهويات القاتلة» راهنيتها: الخطر يبدأ حين يُختصر الإنسان في انتماء واحد يصبح معياراً للولاء والخيانة. وحين تختصر الجماعة في حزب، والحزب في سلاح، والسلاح في محور، تصبح مساءلة السياسة كأنها مساءلة للجماعة نفسها. حزب الله ليس الجنوب، وجبل عامل ليس ملكاً لأحد. نقد سلاح الحزب لا ينكر مقاومة الاحتلال، كما أن الخوف من إسرائيل لا يبرر إبقاء مجتمع كامل رهينة قرار حرب يتجاوز الدولة. وفي أحاديث الجنوبيين سؤالان: ماذا حمانا السلاح هذه المرة؟ ومن يحمينا إذا لم يعد هناك سلاح؟ بعد الخراب وطول الانتظار، بدأت الإجابة تتضح: لا طريق عملياً لاستعادة الأرض ورفع الاحتلال وعودة السكان والإعمار سوى الدولة. فسلاح حزب الله أثبت قدرته على خوض الحرب، لا على إنهائها بشروط تحمي المجتمع وتعيد الناس إلى أرضهم. من هنا يصبح «اتفاق الإطار» أكثر من ترتيبات أمنية: إنه خيار لاستعادة الأرض وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، وانتشار الجيش، وفتح طريق العودة والإعمار. ويأتي موقف الرئيس جوزف عون منسجماً مع هذا الاتجاه: قرار الحرب والسلم للدولة، والجيش مرجعية عسكرية جامعة. لكن نجاح هذا الخيار مشروط بالانسحاب الإسرائيلي وحماية الحدود، كي لا يتحول حصر السلاح إلى فقدان ما كان يؤمّنه من حماية من دون بديل فعلي من الدولة. وهذا كله لم يعد منفصلاً عن الجبهة الإيرانية. فالحرب ليست على النووي والصواريخ وحدها؛ خلفها أيضاً النفط والعقوبات ومضيق هرمز وخطوط الملاحة وإمدادات الطاقة. وكان الرهان أن تفتح مذكرة إسلام آباد في 17 حزيران باب تسوية أوسع مع طهران تشمل هرمز وتمنح الملف اللبناني موقعاً على طاولة التفاوض. لكن تعثر المسار أعاد لبنان إلى واجهة التفاوض المباشر ورفع أهمية المسار اللبناني ـ الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه توسع واشنطن خياراتها النفطية، وبينها الاتفاق الجديد مع فنزويلا، في ظل اضطراب السوق بفعل الحرب مع إيران. لم تعد الطاقة خلفية للصراع؛ صارت إحدى ساحاته. من هرمز إلى الخليج، ومن فنزويلا إلى واشنطن، يدور الصراع على من يملك الإمدادات، ومن يستطيع تعطيلها، ومن يملك البدائل. وفي طرف هذه الخريطة يقع لبنان، وتقع قرى جنوبه في أكثر نقاطها هشاشة. هل يحمل جنوب لبنان وحده عبء معركة الأمة؟ المطلوب ليس نقل الجنوب من خوف إلى آخر، بل كسر الحلقة: غياب الدولة يستدعي السلاح، والسلاح يستدعي الحرب، والحرب تعيد إضعاف الدولة. وأن تعود بنت جبيل مدينة يسكنها أهلها، لا رمزاً يُستدعى كلما احتاجت المنطقة إلى معركة جديدة. بعد كل هذا الركام، يصبح السؤال أبسط وأقسى: من يقرر متى يحارب الجنوب