حضرت دولة قطر منذ سنوات على طاولة تقديم الدعم للبنان في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية. ومن بوابة قطاع الطاقة، قدّمت قطر الدعم للبنان عبر الانخراط في الاستثمار في قطاع التنقيب عن الغاز مع شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية. فضلاً عن تقديم الدعم المالي، وليس آخرها الإعلان في بداية العام الجاري عن الحزمة المالية بنحو 400 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة، ومنها 10 بالمئة كمنحة. وعلى مستوى المشاريع المباشرة، أعلنت قطر مراراً عزمها بناء معامل لتوليد الكهرباء، على الطاقة الشمسية. على أنّ النوايا تشقّ طريقها نحو التنفيذ بشكل موسَّع، وتحديداً عبر مشروع ضخم يطال تحديث البنية التحتية للكهرباء، وليس فقط بناء معامل للإنتاج. لكن مقابل السعي القطري لإنقاذ قطاع الكهرباء، ماذا يمكن للبنان تقديمه لتسهيل الاستثمارات المنتظرة، وتحقيق أكبر استفادة من المشاريع المستقبلية؟ من الطاقة الشمسية إلى البنية التحتية أعلن رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، أنّ بلاده تعتزم الانخراط في مشروع استثماري ضخم في لبنان، يطال تطوير البنية التحتية لقطاع الكهرباء. وفي مؤتمر صحافي عُقد أمس في السراي الحكومي، بعد لقائه رئيس الحكومة نواف سلام، اعتبر آل ثاني أنّ المشروع المنتظر هو "أحد المشاريع القديمة التي تحدّثت فيها دولة قطر مع لبنان، لسنوات، والآن نرى أن هذا المشروع يقترب من رؤية النور". لكن إلى حين تنفيذ المشروع الضخم، هناك مشاريع مرحلية يمكن الاستهلال بها، ومنها بناء معامل للكهرباء على الطاقة البديلة. وفي السياق، كشف آل ثاني أنّ "دولة قطر اتفقت مع شركة توتال إنيرجي على مشروع تطوير مشترك لمحطة الطاقة الشمسية، كمشروع أوّلي". علماً أنّ التوجّه القطري نحو معامل الطاقة الشمسية ليس جديداً، إذ عرضت قطر في العام 2023، عبر وزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي، تقديم هبة للبنان تتضمّن بناء 3 معامل للطاقة البديلة بالشراكة مع شركة توتال، بقدرة نحو 500 ميغاوات، وتمثّل نحو 25 إلى 30 بالمئة من حاجة لبنان من الطاقة. وفي العام 2024، قدّم تحالف توتال وقطر للطاقة رسالة رسمية إلى رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، لتطوير مشروع طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة 100 ميغاوات، وذلك على ضوء شراء التحالف تراخيص من بعض الشركات التي نالت في العام 2022 تراخيص إنتاج الطاقة الشمسية. في مقابل مشاريع الطاقة الشمسية، تبقى الخطوة الأكبر هي إنجاز "مشروع استثماري ضخم يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني، وعلى الشركات والجهات القطرية"، على حدّ تعبير آل ثاني. ويتعلّق هذا المشروع بإعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان. وبحسب سلام: "المشروع سيكون مشتركاً بين الحكومتين اللبنانية والقطرية. ولا نتحدّث هنا عن إنشاء معمل جديد للكهرباء، أو عن معالجة جزئية لمشكلة مزمنة، بل عن مشروع متكامل يطال مختلف مصادر إنتاج الطاقة والبنية التحتية الذي يهدف إلى توفير الكهرباء بصيغة أكثر استقراراً وبكلفة أقل". ويقوم المشروع وفق سلام "على نموذج التصميم والبناء والتشغيل ونقل الملكية المعروف بـBOT وتتولى بموجبه جهات قطرية التمويل والتنفيذ والتشغيل من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أي كلفة استثمارية مسبقة". ورأى سلام أنّ "هذا أمر بالغ الأهمية في ظل الظروف المالية التي يمرّ بها لبنان، لأنه يتيح لنا تجاوز العقبات التمويلية التي أخّرت على مدى سنوات طويلة، تنفيذ المشاريع الأساسية في قطاع الكهرباء، والانتقال إلى مسار عملي لمعالجة النقص المزمن في الإنتاج". قرار قطر الاستثمار في قطاع الكهرباء عبر صيغة الـBOT يعفي لبنان من مسؤولية تأمين التمويل لمشروع ضخم. إذ وفق تلك الصيغة، يقوم المستثمر ببناء المشروع وتشغيله ثم إعادته إلى الدولة بعد مدّة زمنية يجري التوافق عليها، وغالباً ما تكون بين 20 و25 سنة. لكن الإعفاء من التمويل لا يعفي من ضرورة اتخاذ بعض الخطوات الضرورية التي لا يمكن التهرّب منها. وفي الوقت عينه، لا يمكن لأي مستثمر التغاضي عنها، لأنّها خطوات داخلية تتعلّق بالأطر القانونية والتنظيمية والظروف التشغيلية التي ترافق المشاريع. وبذلك، هناك مهام كثيرة ملقاة على عاتق لبنان، يجب إتمامها استباقاً لتنفيذ المشروع. ولأهميتها، تشكّل تلك المهام الأرضية الضرورية للتنفيذ، ومن دونها لا يمكن للمستثمرين القطريين وللدولة القطرية وضع المشروع في سياقه التنفيذي الصحيح، فيبقى حبراً على ورق. وعليه، أمام لبنان اختبارات لوضع قوانين واضحة تحدّد مهام الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة للكهرباء ووضع آليات لمنح التراخيص وتحديد أسعار الخدمات المقدَّمة. وهذه المهام هي في صلب الإصلاحات التي طلقها صندوق النقد والبنك الدولي. وفيما يتعلّق بمؤسسة الكهرباء، يجب معالجة الخلل الإدار