قد يغادر بنيامين نتنياهو الحكم، وتبقى المنطقة تحت فوهة المدفع. غادي آيزنكوت، الجنرال الذي يزاحم "بيبي" على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يحمل مشروعاً يجمع بين أبواب التفاوض وتهديدات النار: منح فرنسا دوراً أكبر في الملف اللبناني لتستعيد نفوذها التاريخي وتتوسط في المفاوضات، وفتح باب إعمار غزة مقابل نزع جزئي للسلاح مع إبقاء ممر أمني، وكبح المتطرفين اليهود في الضفة الغربية، وصولاً إلى أخطر مقترحاته: إقناع واشنطن بتطويق مواقع اليورانيوم الإيراني بـ"منطقة قتل". وفي منطقة تتداخل فيها الحروب والتسويات، يريد الرجل وصل القوة بالدبلوماسية، واستعادة الحلفاء لتحقيق ما عجز الضغط العسكري وحده عن تحقيقه. هنا يصبح السؤال أبعد من هوية الفائز: هل يفتح رحيل نتنياهو طريقًا لتغيير المسار، أم يمنح المواجهة قائدًا أهدأ وأكثر قدرة على جمع الحلفاء خلفها؟ من أبرز اقتراحات آيزنكوت، بحسب ما كشفه الصحافي يوناه جيريمي بوب في موقع "ذا فري برس"، إنشاء "منطقة قتل" حول المواقع التي يُعتقد أن اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% لا يزال مخزناً فيها تحت الأرض. ويقضي المقترح بالتزام أميركي معلن بضرب أي محاولة لنقل المواد النووية، بدل الاكتفاء بمراقبتها بالأقمار الاصطناعية. ضع في اعتبارك أن هذه النسبة لا تعني امتلاك قنبلة جاهزة. غير أن جوهر الفكرة يكمن في جعل تحريك المخزون سببًا محتملًا للهجوم، بما يُبقي المواقع تحت تهديد دائم، حتى خارج الحرب المفتوحة. أكثر من ذلك، نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست"، في مطلع أيلول الفائت، أن تنفيذ المقترح يحتاج إلى موارد جوية أميركية طويلة الأمد، مشيرةً إلى توجهه نحو توسيع العمليات السرية ضد إيران لتشمل الصواريخ الباليستية. وبذلك، يتحوّل القلق الإسرائيلي إلى التزام أميركي مستمر يتجاوز عمر ضربة عسكرية أو جولة تفاوض. في المقابل، لا يدعو آيزنكوت إلى هجوم فوري على طهران. فقد قال، في 13 تشرين الأول الجاري، إنه لا يعلم بوجود تطور "حاسم" يبرر توجيه ضربة عاجلة إلى إيران، مُقراً بأنه لم يعد يطّلع على المعلومات الاستخبارية عالية السرية منذ مغادرته مجلس الحرب. والمثير أنه ربط تبرير حملة جديدة بمحاولة إيرانية للاندفاع نحو السلاح النووي، معتبرًا إسقاط النظام هدفاً لا يتحقق عسكرياً، بل من داخل المجتمع الإيراني. وهنا تظهر المفارقة: يريد آيزنكوت منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، لكنه يعارض خوض حرب لا تستطيع تحقيق أهدافها. وهدوؤه لا يعني أنه يرفض الحرب، بل يريد أن يعرف ما الذي يمكن تحقيقه منها قبل أن يبدأها. أما التغيير الأكثر احتكاكًا بمراكز النفوذ داخل إسرائيل، فيظهر في الضفة الغربية. إذ يعتزم آيزنكوت، في حال نجاحه، إبعاد بن غفير وسموتريتش، وقد يقيل مدير "الشاباك"، ديفيد زيني، لتعزيز مواجهة عنف المتطرفين اليهود ضد الفلسطينيين. كما تشمل الإجراءات المطروحة إعادة العمل بالاعتقال الإداري بحق المتطرفين اليهود العنيفين، بعدما ألغته الحكومة الحالية عام 2025، إضافةً إلى استعادة الاعتقالات والملاحقات التي تراجعت. إلى جانب ذلك، يُتوقع أن يوقف آيزنكوت توسع أكثر من مئة مزرعة يهودية أُنشئت دون الموافقات الإسرائيلية المطلوبة، وأن يغلق قسماً منها. بالنسبة إلى غزة، يتهم آيزنكوت نتنياهو بتعطيل بناء بديل لحكم "حماس"، رغم الضغط العسكري عليها. واللافت أنه مستعد للعمل مع السلطة الفلسطينية إذا انحصر الخيار بينها وبين الحركة، مع احتفاظه بتحفظاته على السلطة نفسها. علاوة على ذلك، يُبدي آيزنكوت استعداده لقبول خطوات نحو نزع جزئي للسلاح مقابل خطوات في إعادة الإعمار، بدل اشتراط نزع كامل مسبقاً. كما يريد الحفاظ على ممر أمني، الأمر الذي يُدخل الإعمار في حسابات التفاوض بوصفه وسيلة لتحصيل تنازلات وترميم التأييد الخارجي. لكن هذه المرونة لا تتضمن قبول قيام دولة فلسطينية قريباً، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، التي نقلت رفضه طرحها في المدى القريب أو المتوسط. وهذه نقطة تمنع الخلط بين تغيير إدارة غزة وتغيير الموقف من حقوق الفلسطينيين السياسية. إضافة إلى ما تقدم، يتوقف المراقبون عند طروحات آيزنكوت الخاصة بلبنان. فهو يراهن على منح فرنسا دوراً أكبر في التوسط بين لبنان وإسرائيل لتسهيل التوصل إلى اتفاقات. كذلك، يريد، بحسب موقع "ذا فري برس"، الاستفادة من التعاون الأوروبي لاستعادة الثقة بتل أبيب. لكن تغيير الجهة التي تتوسّط في المفاوضات قد يغيّر فرص التسوية، من دون أن يثبت تبدل الأهداف العسكرية أو شروطها. على المنوال ذاته، يراهن على ترميم العلاقة مع الديمقراطيين الأميركيين عبر إخراج نتنياهو من الحكم، ووقف دعم المتطرفين الاستيطانيين، والتراجع عن استهداف مؤسسات سيادة القانون. عملياً، ثمة أمور في شخصيته قد تساعده على تحقيق مشروعه السياسي: فهو ينحدر من أصول مغربية، ويتمتع بحضور بعيد عن الاستع