تلقف لبنان رؤية دولة قطر لتلافي أي مخاطر جديدة. استمع المسؤولون اللبنانيون إلى الطرح القطري الذي يقدم إحاطة شاملة لكل تطورات الوضع في المنطقة وكيفية تجنب الأصعب والأسوأ. فكل الرسائل التي تلقتها بيروت تشير إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على تصعيد كبير، وأنه لا بد للبنان من أن يحمي نفسه ولا ينجر إلى أي مواجهة. وفي هذا السياق تندرج زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت، وهي زيارة لم تكن مجدولة من قبل، وتأتي قبل جولة سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دول الخليج في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة والحرب الدائرة في اليمن. وسط كل التشنج، جاءت زيارة رئيس وزراء دولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، حيث التقى المسؤولين، مشدداً على استعداد قطر لتقديم كل أشكال الدعم والمساعدة، ولفتح نافذة جدية في جدار الأزمة القائمة على مستوياتها المختلفة، سياسياً، عسكرياً، معيشياً وفي ملف الكهرباء. لا تتحرك الدوحة إلا والثقة معها حول قدرتها على تحقيق ما تسعى إليها، وهي تأتي إلى لبنان في سياق دعم الوضع الداخلي وبالتنسيق مع كل القوى الدولية والإقليمية المعنية، مع الإشارة إلى أن الدوحة تستمر في وساطتها لمنع تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. في هذا الإطار، يندرج مشروع تبني قطر للكهرباء في لبنان، بحيث تشكل ضامناً مالياً، تماماً كما فعلت في سوريا، وفق نظام bot ، على أن يتم تأسيس شركة مستقلة تتولى الانتاج والتوزيع والجباية، إضافة إلى البحث في مشاريع إيصال الغاز إلى لبنان، ومشاريع التكامل الإقليمي في المنطقة وخصوصاً تطوير العلاقات مع سوريا والاستثمارات المشتركة. ويندرج ذلك ضمن سياق رؤية شاملة للإصلاح وحتى للإعمار في المرحلة المقبلة، من دون إغفال الدعم الدائم والمستمر للجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. على المستوى السياسي، الموقف القطري واضح أيضاً، يتركز حول ضرورة تحصين لبنان، من خلال التواصل بين مختلف اللبنانيين وتلافي التصعيد الداخلي أو حال التشنج واستمرار الحوار بين الأفرقاء، وعدم الانزلاق إلى أي تطورات عسكرية قد تشهدها المنطقة. لم تغب ملفات إعادة الإعمار والمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي، وقد عرضت قطر على اللبنانيين المساعدة مع الأميركيين للضغط على إسرائيل ووقف إطلاق النار والاعتداءات والانسحاب من الجنوب، إضافة إلى وضع خطة شاملة للإعمار وإصلاح القطاعات المختلفة. يأتي هذا التحرك القطري وكأنه الفرصة الأخيرة والجدية المتاحة أمام لبنان واللبنانيين للاستفادة منها، أولاً لتلافي أي تصعيد في المنطقة، ولتشكيل مظلة حماية من إسرائيل التي تريد انتهاز أي فرصة للانقضاض على لبنان مجدداً، خصوصاً أن أي خطأ في الحسابات سيدفع تل أبيب لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة واحتلال المزيد من الأراضي. كما أن تل أبيب تنقل رسائل تهديد كثيرة بأنه في حال أقدم حزب الله على أي عملية عسكرية ضدها فهي ستشن عملية واسعة ومكثفة. على هذا الإيقاع التهديدي، تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي أيضاً سينصح اللبنانيين بضرورة تجنب أي تصعيد وعدم الانخراط في أي مواجهة، إذا اندلعت حرب إيرانية أميركية. كما أن بارو سيبحث في مسألة ما بعد اليونيفيل وكيفية تشكيل القوة الأوروبية على الرغم من الاعتراض الأميركي، لا سيما أن بعض المعلومات يشير إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وخلال اتصاله برئيس الجمهورية جوزاف عون، ركز على ضرورة التنسيق العسكري والأمني بين لبنان وإسرائيل، وعلى أن يكون التنسيق مباشراً بين الجيشين بمعزل عن الاتفاق حول نشر القوة الدولية.