يبدو أن الفوسفات، أو "الذهب المغاربي"، مقبلٌ على مرحلة جديدة، إذ لا تبدو تونس والمغرب بعيدين عن حسابات واشنطن الرامية إلى ضمان أمنها الغذائي، ولا سيما بعدما استشعرت حجم مخاطر التعويل على مصدرٍ وحيد لتأمين احتياجاتها من هذه المادة الضرورية للقطاع الزراعي. وتكشف تحركاتٌ أميركية حديثة، بالتوازي مع نقاشات داخل مراكز البحث وصنع السياسات، عن اهتمامٍ متزايد بمصادر الفوسفات في شمال أفريقيا، ولا سيما في المغرب وتونس، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اضطرابات الإمدادات العالمية، في ظل الصراعات المشتعلة في أكثر من منطقة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أدرجت الولايات المتحدة الفوسفات، للمرة الأولى، ضمن قائمتها للمعادن الحرجة، في خطوة تعكس أهميته بالنسبة إلى المصالح الغذائية والزراعية لواشنطن. صورة عامة لمصنع إنتاج الفوسفات في مدينة المذيبة بتونس (رويترز) تونس والمغرب ضمن الحسابات الأميركية يُعتبر الفوسفات، الذي يُطلق عليه أيضاً اسم "الذهب الأبيض"، عنصراً أساسياً في صناعة الأسمدة، ما يجعل تكاليف الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء عرضةً للتأثر بأي اضطراب في إمداداته. وقد تجلّى ذلك خصوصاً مع الحرب الدائرة في المنطقة، التي يقول خبراء إنها غيّرت خريطة الأسمدة في العالم. وتقول الخبيرة في الاقتصاد إيمان الحامدي لـ"النهار" إن هناك وعياً عالمياً متزايداً بأهمية الفوسفات بالنسبة إلى الزراعة، بدأ خصوصاً مع أزمة كوفيد-19، ثم اندلاع الحرب الأوكرانية، وصولاً إلى الحرب على إيران، وما رافق ذلك من ارتفاعٍ في أسعار المواد الغذائية والطاقة، واضطرابٍ في سلاسل التوريد العالمية. وتوضح أن هناك اهتماماً دولياً متزايداً بالزراعة بهدف ضمان السيادة الغذائية، ومن هنا تأتي أهمية الأسمدة، التي باتت موضع تنافسٍ دولي. وكشف قرار بكين تعليق صادرات الفوسفات حتى أغسطس/آب 2026 عن هشاشة السوق العالمية بصورة أوضح، وفق تحليل لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بعنوان: "تحول الفوسفات: لماذا يهم المغرب وتونس الأمن الغذائي الأميركي؟". وجعل تقييد الصين صادرات الفوسفات، بحجة إعطاء الأولوية لتأمين احتياجاتها المحلية، واشنطن تدرك أن الاعتماد على مصدرٍ واحد يمكن أن يتحول من مسألة تجارية إلى خطرٍ يهدد الأمن الغذائي، لتدخل كلٌّ من المغرب وتونس في الحسابات الأميركية. ويمتلك المغرب نحو 70 في المئة من الاحتياطيات العالمية المعروفة من الفوسفات، بينما تُقدَّر احتياطيات تونس بنحو 2.5 ملياري طن. بالنسبة إلى واشنطن، يبدو المغرب الحلقة الأقوى في أي استراتيجية جديدة للفوسفات، إذ يمتلك احتياطيات ضخمة ومنظومةً صناعية متكاملة تشمل التعدين والمعالجة وإنتاج الأسمدة وشبكات التصدير. وفي 29 يونيو/حزيران 2026، أعلن البيت الأبيض حالة طوارئ مرتبطة بإمدادات الأسمدة، وأجاز مؤقتاً استيراد الأسمدة الفوسفاتية من المغرب من دون الرسوم والودائع الجمركية ذات الصلة، لمدة تصل إلى ثمانية أشهر أو إلى حين انتهاء حالة الطوارئ. تونس... فرصة تعيد الفوسفات إلى الواجهة لكن المغرب وحده، وفق الدراسة، غير قادر على تأمين جميع احتياجات الولايات المتحدة من هذه المادة، في وقت تبحث فيه واشنطن عن التخلص من التبعية لمصدرٍ واحد. ومن هنا تأتي "استراتيجية الفوسفات" الجديدة، وفق التقرير، التي لا تقتصر على الاستيراد، بل تدعو إلى تركيز "ممر فوسفات عابر للمغرب العربي"، يتضمن استثماراتٍ أميركية مباشرة في البنية التحتية للتعدين والتكرير في تونس. وتمتلك تونس موارد فوسفاتية مهمة، لكن قطاعها عانى خلال السنوات الماضية تراجع الإنتاج، وتعطّل النقل، والاحتجاجات، ونقص الاستثمار، ما أبعده عن الإمكانات التي كان يتمتع بها لعقود. ويرى الأكاديمي والمتخصص في التنمية حسين الرحيلي، في تصريح لـ"النهار"، أن تونس، وعلى عكس المغرب المستفيد من التنافس الدولي على الفوسفات، فوّتت على نفسها فرصةً ذهبية كان يمكن الاستفادة منها. وفي السياق، فتحت السفارة الأميركية في تونس، بالتعاون مع مكتب تنسيق المساعدات التابع لمكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية، في أغسطس/آب 2026، فرصة تمويل بعنوان "تأمين سلاسل إمداد المعادن الحرجة الأميركية ـ تونس"، بقيمة تتراوح بين مليون و1.536 مليون دولار. ويهدف البرنامج، وفق إعلان رسمي، إلى دعم استثمارات يقودها القطاع الخاص في تطوير الفوسفات، وتحسين عمليات المعالجة اللاحقة، وتعزيز الروابط التجارية والاستثمارية بين تونس وشركائها. ويرى الرحيلي أن هذه المبادرة تطرح فرضية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، "في ظل عدم وجود رؤية إصلاحية رسمية للقطاع على المدى القريب"، وفق تقديره. ولسنوات غير بعيدة، كان الفوسفات أحد ركائز الاقتصاد التونسي، لكن القطاع شهد تراجعاً كبيراً منذ أحداث 2011. وبين خطط واشنطن لضمان الأمن الغذائي الأميركي وام