فرضت الحاجة إلى الموارد المالية لرفد الاقتصاد بالاستثمارات المولدة للنموّ، لجوء الحكومة إلى خيار خصخصة بعض القطاعات الخدماتية الجاذبة للاستثمار العربي والأجنبي، وسط تباين في الآراء داخل الحكومة بين مؤيّد للخصخصة من طريق عقود التشغيل والإدارة أو BOT، أو عبر مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال قانون PPP، وهو الخيار الذي يلاقي قبولاً أكبر لدى رئيس الحكومة. استقطاب الاستثمارات الخارجية وهذا التوجّه أعاد إلى الضوء المجلس الأعلى للخصخصة، الذي تعطل دوره على مدى أعوام، ولا سيما منذ عام ٢٠١٩، بعد استقالة أمينه العام السابق، ليعيد نواف سلام تفعيله أخيراً من خلال تخصيص اجتماعات بهدف البحث في عدد من المشاريع القابلة لاستقطاب الاستثمارات الخارجية، وكان آخرها الاجتماع الذي ترأسه سلام بصفته رئيس المجلس لمناقشة الدراسات المالية والتقنية والقانونية المتعلقة بمشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، وتلك التي تقدمت بها مؤسسة التمويل الدولية بشأن مشروع إنشاء محطة تغويز عائمة ومحطة كهرباء جديدة في دير عمار ٢، وتقرّرت إحالة الملفّين إلى مجلس الوزراء، علماً بأن المجلس وافق على المشروع الأول، أما الثاني فينتظر موافقته، تمهيداً للبدء بإجراءات اختيار الشريك الخاص وفقاً لقانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتعديلاته، إضافة إلى مشروع المرسوم الرامي إلى إنشاء شركة كهرباء لبنان وتقييم أصولها وفصل أنشطتها والنظام التأسيسي للشركة، إلا أنه تقرر إرجاء بت المشروع لمزيد من الدرس. وكان المجلس، قبل استقالة أمينه العام، يعمل على ٣ مشاريع شراكة هي بناء داتا سنتر وتوسعة مطار رفيق الحريري الدولي، وشق طريق خلدة-ضبيه-جبيل، إلا أن الانهيار المالي والحروب المتتالية أوقفت العمل على هذه المشاريع التي كان يفترض أن تتم عبر الشراكة مع القطاع الخاص. وتشي هذه المقررات بأن نيّة الإفادة من هذه المؤسسة وتفعيل عملها بعد توقف طويل، تعكس قراراً بالمضيّ في مشاريع الشراكة، وسط تحدٍّ أساسي فيما إن كان المجلس سينجح اليوم حيث فشل في الماضي، وهل قررت الحكومة تفعيل عمل المؤسسة، بعد أكثر من ربع قرن على إنشائها، بهدف تحويل الخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص إلى مسار اقتصادي منتظم؟ لقد تأسس المجلس الأعلى للخصخصة بموجب القانون رقم 228 الصادر في 31 أيار 2000، الذي وضع الإطار العام لتنظيم عمليات الخصخصة وتحديد شروطها ومجالات تطبيقها. وكان الهدف إيجاد آلية مؤسساتية لإدارة انتقال بعض المؤسسات والمشاريع العامة إلى القطاع الخاص، بما يتيح تحسين كفاءتها التشغيلية وتخفيف الأعباء عن المالية العامة. وتشمل مهمات المجلس اقتراح السياسة العامة للخصخصة، وإعداد البرامج الزمنية للمشاريع المستهدفة، وتقييم أصول المؤسسات العامة، والإشراف على الإجراءات اللازمة لتنفيذ عمليات الخصخصة، فضلاً عن إعداد مشاريع القوانين والتوصيات المرتبطة بها. لكن المجلس دخل في حالة من الشلل بعد انتهاء ولاية أمينه العام وعدم تعيين أمين عام جديد وتغيير نظامه، في مؤشر إلى عدم وجود قرار سياسي بالسير في الخصخصة، إلى أن عاد الموضوع إلى دائرة الاهتمام عام ٢٠١٧، مع إقرار مجلس النواب القانون رقم 48 لتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فتوسعت مهمات المجلس وأصبح اسمه المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة. وأتاح القانون إطاراً لإشراك الشركات الخاصة في تمويل المشاريع العامة وتصميمها وإنشائها وتشغيلها وصيانتها، مع إبقاء العملية خاضعة لإجراءات قانونية ومؤسساتية محددة. في الشكل، لا يزال المجلس فاعلاً، وقد حرّكه رئيسه قبل أشهر قليلة عندما عقد سلسلة اجتماعات حكومية تناولت مشاريع استثمارية وإصلاحية جديدة. ففي حزيران 2026، وقّع لبنان اتفاقاً مع مؤسسة التمويل الدولية لإطلاق مسار الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المطارات اللبنانية. وبحث في أيلول مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومشروع إنشاء شركة كهرباء لبنان وتقييم أصول المؤسسة وفصل أنشطتها، إضافة إلى مشروع محطة التغويز ومحطة كهرباء جديدة في دير عمار. هذا يشي بأن المجلس يستعيد دوراً تنفيذياً في إعداد مشاريع الشراكة، بعدما بقيت الخصخصة في لبنان، لسنوات طويلة، أقرب إلى خطط ومشاريع مؤجلة منها إلى برنامج متكامل. أما التأخير فيعود إلى الفجوة بين وجود الإطار القانوني والقدرة على تطبيقه. فالخلافات السياسية، والتجاذبات حول إدارة المؤسسات العامة وأصول الدولة، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية، عوامل أعاقت تحويل الخصخصة إلى مسار مستدام. والمخاطر المالية والسيادية وضعف الثقة بمؤسسات الدولة تحدّ من القدرة على استقطاب المستثمرين. وبناءً على ذلك, فإن أهمية المجلس تكمن في قدرته على تحويل الدراسات إلى عقود ومشاريع واستثمارات، عبر سياسة اقتصادية واضحة تحدد ما يمكن خصخصته، وما يجب