تأتي زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى بيروت في لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والمالية مع التحديات الأمنية والسياسية، فيما لا يزال لبنان يواجه تداعيات الحرب والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه، وتقترب ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" من نهايتها. وبين لقاءات رئيس الوزراء القطري مع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وقائد الجيش والمدير العام للأمن العام، يبرز السؤال: هل تستطيع الدوحة أن تقدم للبنان فرصة جديدة للخروج من أزماته المتراكمة؟ فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1972، حافظت قطر على حضور فاعل في لبنان، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. وقد برز دورها خصوصاً بعد حرب تموز 2006، حين ساهمت في جهود إعادة الإعمار، ثم خلال الأزمات التي شهدها لبنان في السنوات اللاحقة. وكانت محطة اتفاق الدوحة عام 2008 من أبرز تجليات الوساطة القطرية، إذ ساعدت على احتواء أزمة سياسية وأمنية حادة وفتحت الطريق أمام تسوية أعادت تحريك المؤسسات الدستورية، وإن لم تعالج جذور الخلافات اللبنانية بصورة نهائية. هذه التجربة تمنح قطر رصيداً سياسياً باعتبارها عاصمة للحوار والوساطة، لكنها تطرح أيضاً تحدياً: هل تستطيع الدوحة الانتقال من إدارة الأزمات إلى المساهمة في معالجة أسبابها؟ اقتصادياً، تمتلك قطر إمكانات استثمارية وخبرة واسعة في قطاع الطاقة، وهي شريك في تحالف التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية، عبر شركة قطر للطاقة التي تملك حصة تبلغ 30 في المئة إلى جانب شركتي توتال إنرجيز وإيني. ويمكن لهذا الحضور أن يفتح المجال أمام تعاون أوسع في الاستكشاف وتبادل الخبرات وجذب الاستثمارات، لكن من الضروري عدم الخلط بين التنقيب والثروة المؤكدة؛ إذ إن أي عائدات مستقبلية تبقى مرتبطة بنتائج الدراسات والاكتشافات التجارية والاستثمارات اللازمة للإنتاج. والأهم أن تتجاوز المساهمة القطرية حدود النفط والغاز، لتشمل الكهرباء وإعادة الإعمار والبنية التحتية ودعم المؤسسات العامة. فلبنان يحتاج إلى استثمارات منتجة وخطة اقتصادية شفافة، لا إلى مساعدات مؤقتة تعالج النتائج من دون الأسباب. ويمكن للدوحة أن تؤدي دوراً في حشد الاستثمارات العربية والدولية، شرط أن تترافق مع إصلاحات مالية وإدارية تضمن حسن استخدام الأموال واستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني. أما أمنياً، فإن اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل يفرض البحث عن صيغة تمنع نشوء فراغ في جنوب لبنان. ويمكن لقطر، بما تمتلكه من علاقات دولية، أن تساعد في حشد الدعم للجيش اللبناني، وتوفير التجهيزات والتدريب والقدرات اللوجستية والتقنية، والتنسيق مع الأمم المتحدة والدول المعنية بشأن أي ترتيبات مستقبلية تحفظ الاستقرار وتمنع تجدد المواجهات. لكن الاستقرار لا يكتمل من دون معالجة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة. ولا تملك قطر وحدها فرض الانسحاب الإسرائيلي، إلا أن خبرتها في الوساطة وعلاقاتها الإقليمية والدولية قد تساعد في الدفع نحو تحرك دبلوماسي يربط التهدئة باحترام السيادة اللبنانية، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وعودة السكان، وإعادة الإعمار. فوقف إطلاق النار لا يشكل حلاً نهائياً إذا بقي الاحتلال قائماً واستمرت أسباب المواجهة. وتبرز هنا مسألة لا تقل أهمية عن الملفات الاقتصادية والأمنية، وهي قدرة قطر، بصفتها عاصمة للحوار ووسيطاً مقبولاً لدى أطراف متباينة، على تقريب وجهات النظر بين الحكومة اللبنانية وحزب الله بشأن مستقبل سلاح الحزب ودور الدولة في إدارة الأمن والدفاع. فالملف لا يرتبط بالتوازنات الداخلية وحدها، بل يتصل أيضاً بحسابات إقليمية، وفي مقدمتها العلاقة بين حزب الله وطهران. ومن هنا، يمكن للدوحة أن توظف قنواتها مع إيران لتشجيع مزيد من الليونة في مقاربة هذا الملف، بما يتيح حواراً لبنانياً جدياً حول استراتيجية دفاعية، وتعزيز سلطة الدولة، وضمانات الأمن الوطني. ولا يعني ذلك أن قطر تستطيع فرض تسوية على أي من الطرفين، أو أن طهران وحدها تملك تقرير مستقبل لبنان؛ فالحل يحتاج إلى إرادة لبنانية وتفاهم داخلي يراعي السيادة والمصلحة الوطنية. لكن الوساطة القطرية قد تساعد في تهيئة الظروف لتخفيف التوتر، وتقريب المواقف، ومنع تحول الخلاف حول السلاح إلى مواجهة داخلية جديدة. وهنا تحديداً يمكن أن يظهر الفرق بين وساطة تكتفي بتبريد الأزمة، وأخرى تفتح الطريق أمام معالجة مستدامة لأحد أكثر الملفات اللبنانية تعقيداً. هل يصلح العطار القطري ما أفسده الدهر في لبنان؟ قد لا يستطيع العطار القطري إصلاح كل ما أفسده الدهر، لأن الأزمة اللبنانية نتاج تراكمات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، فضلاً عن تداعيات الاحتلال والحروب، لكنه يستطيع أن يقدم إضافة نوعية إذا جمع بين ا