في مشهد يخيم عليه الحزن العميق، فقدت الساحة الفنية المصرية والعربية وجهاً من الوجوه المألوفة التي أثرت الشاشات بصدق الأداء ورقيّ الحضور. إثر إعلان وفاة محمد التاجي عن عمر ناهز الـ 72 عاماً، تداعى محبو الدراما ونجوم الفن لاستذكار مسيرة حافلة ترك خلالها الراحل بصمة خالدة من خلال أدوار مركبة واجتماعية لامست وجدان المشاهدين. وقد أكد الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، النبأ الأليم، موضحاً بأن جثمان الراحل سيُشيع، ظهر يوم الإثنين من مسجد الشرطة في منطقة صلاح سالم في العاصمة المصرية، ليوارى الثرى بعد عقود من العطاء الفني المتواصل. اللحظات الأخيرة: معاناة صامتة وجراحة دقيقة وراء الهدوء الذي عُرف به الفنان الراحل، كانت هناك معاناة صحية صامتة في أيامه الأخيرة. وفي نعي مؤثر يدمي القلوب، كشف الكاتب الصحفي أكرم السعدني تفاصيل دقيقة عن الأزمة الصحية التي أودت بحياة التاجي. وأوضح السعدني بأن الراحل خضع لتدخل جراحي دقيق مؤخراً، إلا أن القدر لم يمهله، إذ لم يلتئم الجرح واستمرّ النزيف الحادّ، مما استدعى نقله فوراً إلى غرفة العناية المركزة. وبعد يومين من الترقب داخل العناية الفائقة، أسلم التاجي الروح. وقد شبّه السعدني تطورات هذه الحالة الصحية المفاجئة بالمأساة التي طالت الفنانة الراحلة سعاد نصر، مؤكداً أن التاجي آثر الصمت، ولم يفصح عن تفاصيل آلامه سوى لشخص واحد كان يمثل له الملاذ الآمن. محمد التاجي في المتزوجون (سوشيال ميديا) خيري المحلاوي.. رفيق الدرب حتى الرمق الأخير في خضم تلك اللحظات القاسية، برزت قيمة الصداقة الحقيقية متجسدة بعلاقة التاجي بصديق عمره خيري المحلاوي. وصف السعدني هذه الصداقة بأنها من أمتع الروابط الإنسانية وأكثرها طرافة، مشبهاً الثنائي بشخصيتي "توم وجيري" بنكهة مصرية خالصة. ورغم المشاحنات الودية والانتقادات المتبادلة التي كانت تضفي جواً من المرح المستمر بينهما، فإن هذه العلاقة استندت إلى جذور راسخة من المحبة الصادقة. فقد اعتادا التواصل هاتفياً بصورة يومية للاطمئنان المتبادل، مما جعل المحلاوي السند الحقيقي والمتابع الدقيق لتفاصيل وضع التاجي الصحي حتى ساعاته الأخيرة. من كنف عبد الوارث عسر إلى أضواء "البشاير" لم يكن التألق الفني لمحمد التاجي وليد الصدفة، بل كان امتداداً طبيعياً لجذور فنية عريقة. وُلد في الثامن والعشرين من أبريل لعام 1954، لينشأ في كنف جده، عملاق السينما المصرية عبد الوارث عسر. وقد ساهمت ملازمته لجده في أواخر أيامه وقراءته النصوص له بعد ضعف بصره في صقل موهبته الفذة. والمفارقة أن الجدّ أوصاه بعدم استغلال صلة القرابة لشق طريقه الفنية، وهي الوصية التي التزم بها الحفيد باحترافية وتواضع. على الرغم من دراسته الحقوق، قاده شغفه إلى مسرح الجامعة، ثم إلى مسرح الطليعة، ليقفز نحو الاحتراف الحقيقي عبر مسرحية "المتزوجون" عام 1976. لكن الانعطافة الأبرز في مسيرته جاءت عبر شاشة التلفزيون، وتحديداً في مسلسل "البشاير"، حيث شارك في البطولة إلى جانب الساحر محمود عبد العزيز والنجمة مديحة كامل. بشخصية "رشاد الفوال"، استطاع التاجي أن يحفر اسمه بحروف من ذهب، ليواصل بعدها تقديم عشرات الأعمال القيمة، تاركاً خلفه إرثاً إنسانياً وفنياً يتحدى النسيان.