بين عائلات نزحت من بلداتها الحدودية ومنازل تحولت إلى ركام، تحاول قرى إقليم التفاح في جنوب لبنان استعادة نبضها، عبر الزراعة ورفع الأنقاض وإطلاق مشاريع محلية تعيد استخدام المساحات المتضررة، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب والتطورات الأمنية ترسم ملامح المرحلة المقبلة. بحسب تقرير للجزيرة أعده علي رباح، تستضيف قرى الإقليم مئات العائلات النازحة من المناطق الحدودية، بالتوازي مع جهود فردية وبلدية لإعادة إعمار ما دمرته الغارات الإسرائيلية وتحريك عجلة العمل. وفي كفرملكي، يحاول نازحون من كفرتبنيت تأمين مصدر دخل من خلال العمل في الأراضي الزراعية، ولا سيما في قطاف الزيتون. وروت إحدى العائلات رحلة نزوح متكررة بين العاقبية وصيدا، قبل الاستقرار في إقليم التفاح، مؤكدة أن العمل في الأرض يؤمّن لها دخلًا يوميًا ويساعد أفرادها على مواجهة ظروف النزوح. يضم إقليم التفاح نحو 20 بلدة تمتد من تخوم النبطية جنوبًا إلى جزين شمالًا وأطراف صيدا غربًا، وتحولت بلداته إلى ملاذ لمئات العائلات بعدما كانت أقل تعرضًا للاستهداف من مناطق جنوبية أخرى. حيث قال رئيس اتحاد بلديات إقليم التفاح ياسر ماضي للجزيرة إن نحو 426 عائلة نازحة تتوزع على قرى الإقليم، وقدمت من مناطق مختلفة في الجنوب، بينها كفركلا وعيترون والخيام، إضافة إلى بلدات تقع على الحافة الأمامية للمواجهات. لكن الإقليم الذي يستقبل النازحين يحمل بدوره آثار الغارات، إذ تتواصل عمليات رفع الأنقاض وإزالة ركام المنازل المدمرة، بالتزامن مع البحث عن حلول للاستفادة من المواقع المتضررة. وفي عربصاليم، تعمل البلدية على تحويل أحد مواقع تراكم الركام إلى مساحة عامة تضم حديقة وملاعب ومرافق رياضية وثقافية. وأوضح رئيس البلدية علي حسن للجزيرة أن المشروع يقوم على استثمار أرض مشاع لإقامة مرافق تخدم السكان، في محاولة لتحويل أحد مشاهد الدمار إلى مساحة للحياة. بالتوازي، بدأ عدد من الأهالي التفكير في إعادة بناء منازلهم، سواء عبر التعويضات أو على نفقتهم الخاصة، رغم استمرار الغموض بشأن حجم المساعدات التي قد يحصلون عليها. وأكد أحد السكان عزمه على إعادة بناء منزله المدمر حتى في حال غياب التعويضات، في تعبير عن تمسك الأهالي بالبقاء في بلداتهم. وتأتي هذه المحاولات فيما تبقى الأوضاع في جنوب لبنان مرتبطة بمسار التطورات الأمنية والسياسية. فرغم توقيع بيروت وتل أبيب اتفاق إطار برعاية أميركية في 26 حزيران الماضي، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية التي بدأت في 2 آذار. وينص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى "حزب الله". لا تزال إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ حرب 2023 و2024، فيما توغلت خلال العمليات العسكرية الراهنة لمسافة تجاوزت 10 كيلومترات. وبين إيواء 426 عائلة نازحة ورفع الركام ومحاولات إعادة بناء المنازل، يخوض إقليم التفاح معركة من نوع آخر: إبقاء الحياة مستمرة رغم الدمار.