وسط تصاعد التوترات من غزة وإيران إلى العلاقة المضطربة بين إسرائيل وتركيا، تبرز أذربيجان تدريجيًا كقوة إقليمية متوسطة ومنصة دبلوماسية تجمع دولًا تتعارض مصالحها ويصعب عليها أحيانًا التحاور مباشرة، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع إسرائيل وتركيا ودول عربية وإسلامية، ومن ثقة أطراف متنافسة بقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بعيدًا عن الأضواء. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، عكست لقاءات الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أذربيجان الدور المتنامي لباكو في الدبلوماسية الإقليمية، من المحادثات الأمنية بين إسرائيل وتركيا إلى الجهود الرامية إلى تعزيز اتفاقات أبراهام. وجاء لقاء هرتسوغ مع وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني، الأربعاء في باكو، ليعكس الأهمية الدبلوماسية المتزايدة لأذربيجان، في مرحلة تشهد فيها العلاقات في الشرق الأوسط توترات حادة، بينما تتحول العاصمة الأذربيجانية إلى نقطة لقاء لدول لا يكون الحوار المباشر بينها سهلًا دائمًا. وعُقد اللقاء على هامش قمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا "CICA"، التي استضافتها أذربيجان. وبحسب بيان صادر عن مكتب الرئيس الإسرائيلي، بحث هرتسوغ والزياني تعزيز اتفاقات أبراهام وتوسيع التعاون الإقليمي. كما التقى هرتسوغ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وبحث معه العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي. وبالنسبة إلى أذربيجان، التي تتبلور مكانتها كقوة متوسطة، تعكس هذه اللقاءات دورًا دبلوماسيًا تطوّر على مدى سنوات. فالبلاد تحافظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل، بالتوازي مع روابط قوية مع تركيا والبحرين والإمارات ودول إسلامية أخرى، فيما جعلتها قدرتها على التعامل مع حكومات ذات مصالح متعارضة ساحة ملائمة للمحادثات الحساسة. ووصف جوزيف إبستين، مدير مركز "توران" للأبحاث والباحث البارز في معهد "يوركتاون"، هذه المقاربة بأنها "مصالحة من دون منصة علنية". وقال إبستين: "أقامت أذربيجان علاقات مع إسرائيل عام 1992 وحافظت عليها خلال حربَي قره باغ، وحرب غزة، وسنوات من الضغوط من جانب طهران وأنقرة". وأضاف: "تشمل الشراكة الأمن والتجارة والتكنولوجيا والطاقة، وقد بنت باكو هذه العلاقة من دون أن تقطع ولو علاقة واحدة مع العالم العربي والإسلامي". وبحسب إبستين، منحت هذه العلاقات أذربيجان دورًا دبلوماسيًا حتى قبل توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020. وقال: "كان بإمكان مسؤولين إسرائيليين وعرب الاجتماع هناك قبل ذلك بسنوات، لأن أحدًا لم ينظر إلى أذربيجان باعتبارها عدوًا لإسرائيل أو دولة تابعة لها. جميع الأطراف وثقت بالدولة المضيفة". ولم يقتصر هذا الدور على العلاقات الإسرائيلية العربية، إذ ساهمت هذه الروابط أيضًا في إدارة التوتر بين إسرائيل وتركيا. ففي نيسان 2025، التقت وفود أمنية من البلدين في أذربيجان لإجراء محادثات هدفت إلى بلورة آلية لمنع وقوع حوادث عسكرية في سوريا، حيث تمتلك إسرائيل وتركيا مصالح استراتيجية. وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قد وجّه علنًا الشكر إلى أذربيجان والرئيس علييف على استضافة تلك المحادثات. ورغم أن المحادثات لم تحل الخلافات بين إسرائيل وأنقرة، فإنها أظهرت أهمية الحفاظ على قناة اتصال مباشرة حتى خلال فترات التوتر السياسي. وقال إبستين: "المنطق نفسه ينطبق اليوم على تركيا وإسرائيل. باكو هي الحليف الأقرب لأنقرة وإحدى أقرب الشركاء لإسرائيل، وهي تستخدم هذه الثقة لمنع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة". وبعد انتصارها في قره باغ، انتقلت أذربيجان من النجاح العسكري إلى الدفع باتجاه تطبيع العلاقات مع أرمينيا، إذ تعكس المفاوضات بشأن اتفاق سلام وترسيم الحدود وفتح طرق النقل هدف باكو المعلن في تثبيت إنجازاتها من خلال إطار إقليمي جديد، وليس بالقوة العسكرية وحدها. كما أوجدت هذه العملية فرصًا لتطبيع العلاقات بين أرمينيا وتركيا، وهو مسار كان سيكون أكثر صعوبة بكثير من دون تراجع مستوى التوتر بين باكو ويريفان. ويرى البروفيسور زئيف حنين، رئيس برنامج أبحاث النزاعات في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، أن تحوّل أذربيجان إلى قوة متوسطة يقدم نموذجًا مختلفًا عن الإطار الرسمي لاتفاقات أبراهام. فباكو تواصل تطوير علاقاتها مع إسرائيل رغم تصاعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والضغوط التي تمارسها إيران وتركيا. وبحسب حنين، فإن ذلك يجعل أذربيجان بالنسبة إلى إسرائيل أكثر من مجرد شريك، إذ يقدمها نموذجًا نادرًا لجسر مستقر بين إسرائيل والعالم الإسلامي. كما تسلط زيارة هرتسوغ الضوء على الأهمية المتزايدة لأذربيجان بالنسبة إلى الولايات المتحدة والغرب، إذ تجسد الاعتراف الأميركي بدورها في الاستقرار الإقليمي في ميثاق الشراكة الاستراتيجية الذي وقعته الحكومتان في شباط 2026، والذي شدد على مصلحتهما ال