أنهى التبادل المفاجئ للضربات بين أميركا وإيران هدنة استمرت شهراً بين الجانبين، وأعاد التذكير بمدى هشاشة الوضع في الشرق الأوسط، القابل للانفجار عند أي سوء في الحسابات، مع غياب أي أفق لحل ديبلوماسي قريب لنزاع دخل شهره السابع. وتوخّت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، في معرض إعلانها عن الضربة التي استهدفت راجمتين للصواريخ قالت إنهما كانتا على وشك إطلاق صواريخ معبأة بألغام بحرية من جزيرة لارك الإيرانية، الإشارة إلى أن الهجوم الأميركي كان "محدوداً ودقيقاً"، وذلك في تعبير ضمني عن عدم وجود نية للتصعيد. وجاء الرد الإيراني بقصف قاعدتين عسكريتين تنتشر فيهما قوات أميركية في الأردن، بينما أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة التعامل مع مسيّرة قادمة من إيران فوق مياهها الإقليمية. وقبيل الضربة، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي محتوى غامضاً من سطر واحد، مصحوباً بمقطع مصور تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، جاء فيه أن جزيرة خرج، التي تُعد مركزاً للطاقة في إيران، تتعرض للتدمير. والسؤال المطروح: لماذا وجّهت الولايات المتحدة ضربتها، في وقت كانت كل الدلائل تفيد بأن إدارة ترامب تركز، في الوقت الحاضر، على الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية منذ 13 تموز/يوليو الماضي، وعلى عملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني، والعمل على فرض عقوبات ثانوية تطاول الدول التي لا تزال تتعامل تجارياً مع طهران؟ ثمة جملة من العوامل التي قد تفسّر الفعل الأميركي. فقد شهد الأسبوع الماضي سلسلة من الاتصالات الديبلوماسية التي فشلت في التوصل إلى صيغة لخفض التصعيد والتمهيد لمعاودة الحوار. ولم تفلح زيارات منفصلة إلى طهران قام بها كلٌّ من قائد الجيش الباكستاني الماريشال عاصم منير، ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في إقناع النظام الإيراني بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، لا بل كان هناك تمسك بالشروط عالية السقف التي باتت معروفة، مثل إنهاء الحرب ودفع تعويضات ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، قبل الحديث عن مستقبل المضيق. جزيرة لارك... لماذا ضربت أميركا بوابة هرمز؟ لماذا استهدفت أميركا جزيرة لارك؟ موقع صغير عند عنق هرمز تستخدمه إيران لمراقبة السفن وفرض شروط العبور وتهديد الملاحة بالألغام والصواريخ في أحد أهم ممرات الطاقة. كذلك، أعلن النظام الإيراني بوضوح أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع مسقط في شأن فتح مسار عبور موقت في هرمز، لا يعني بأي حال من الأحوال أن طهران ستفتح المضيق تلقائياً، وأن تلبية الشروط الإيرانية يجب أن تسبق أي خطوة في هذا الاتجاه. والأسبوع الماضي، أعلن قائد "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر أن البحرية الأميركية قد نظفت المضيق من الألغام البحرية التي زرعتها إيران. وشجع المسؤولون الأميركيون السفن التجارية على العبور من المسار العماني، مشيرين إلى أن القوات الأميركية تراقب الممر الملاحي عن كثب، ومستعدة لمهاجمة أي قوات إيرانية تهدد السفن. ومع ذلك، بقي العبور عملية محفوفة بالمخاطر. وليل السبت–الأحد، أصيبت ناقلة بمقذوف "مجهول"، فيما كانت تبحر في المسار العماني. وأعلن الحرس الثوري، أمس، اندلاع النيران في ناقلة نفط نتيجة اصطدامها بلغم بحري، وكرر أن الممر الآمن لمرور السفن هو المسار الإيراني، بعد دفع الرسوم. صورة أقمار اصطناعية للجزء الشمالي من مضيق هرمز، تظهر جزر هرمز (يمين) ولارك (وسط) وقشم (يسار)، في 27 تموز/يوليو 2020 (ماكسار تكنولوجيز/أ ف ب) ومع الانسداد السياسي بفعل التباعد في المواقف، كان ترامب يعلن أنه لا يتعجل حلاً، ويعوّل على أن "الإنزال الاقتصادي" الأميركي على إيران كفيل بدفع النظام إلى الاستسلام والعودة عن شروطه، كي يتفادى مواجهة الانهيار. وفي الوقت عينه، كان خبراء أميركيون يعربون عن خشيتهم من أن تبادر إيران بنفسها إلى عمل عسكري، بهدف كسر الحصار واستغلال واقع النقص الحاصل في الصواريخ الاعتراضية الأميركية، وذلك من أجل رفع كلفة الحرب، عشية الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. الآن، إلى أين ستقود الضربات الأخيرة، التي تؤشّر إلى أن العودة إلى الخيار العسكري لا تزال واردة من الطرفين، وأن الضغوط الاقتصادية التي يتبادلانها لا تعدو كونها فترة فاصلة بين حربين؟