لا تقتصر أزمة الكلاب الشاردة في لبنان على الخوف من تعرّض المواطنين للأذى، بل تمتد إلى طريقة التعامل مع هذه الظاهرة، في ظل اتهامات بالتقصير في تطبيق القوانين، والتحذير من استخدام السموم للتخلّص من الحيوانات بدلاً من اعتماد الحلول العلمية. وبين التعقيم والتلقيح والملاحقة القانونية، تبرز أسئلة عن مسؤولية البلديات والدولة، وعن مصير الحيوانات التي تتعرّض للتسميم، فضلاً عن المخاطر البيئية التي قد تنتج من استخدام مواد شديدة السمية. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إجتماع" عبر شاشة "RED TV"، حذّرت الناشطة في حقوق الحيوانات غنى نحفاوي من أن ما نشهده من حوادث بحق الحيوانات ليس مجرد وقائع فردية، بل يعكس، بحسب وصفها، ثقافة مجتمعية تقوم على تعذيب الحيوانات وانتهاك حرمتها. واعتبرت نحفاوي أن ما يحدث اليوم يدلّ على تراجع إنساني، قائلة إن المجتمع، شئنا أم أبينا، فقد إنسانيته ووصل إلى الحضيض على المستوى الإنساني. وأشارت إلى أن لبنان كان يفترض أن يفتخر بكونه واحداً من 35 بلداً فقط يمتلك قانوناً رسمياً للرفق بالحيوان، إلا أن المشكلة، بحسب قولها، تكمن في عدم تطبيق هذا القانون بالشكل المطلوب. وشدّدت على أن سلامة الإنسان مرتبطة بسلامة الحيوان، معتبرة أن المسؤولية الأكبر تقع على الدولة، لأنها تتقاعس عن تطبيق القانون أكثر من المواطنين أنفسهم. وفي ما يتعلق بظاهرة الكلاب الشاردة، رأت نحفاوي أن الحل لا يكون بالتسميم أو التخلّص من الحيوانات، بل باتباع إجراءات علمية ومستدامة، تشمل إخصاء الذكور وتعقيم الإناث، وتلقيح الكلاب ضد داء السعار، ووضع شارة على كل كلب لتحديد الحيوانات التي خضعت للتعقيم والتلقيح، بما يساعد على إدارتها والحد من المخاطر المرتبطة بها. وانتقدت في هذا السياق أداء بعض البلديات، معتبرة أنها غير مقتنعة بأن التعقيم والتلقيح يشكّلان الحل، وتريد، بحسب تعبيرها، أن تنام وتستيقظ لتجد أن الكلاب قد ماتت، بدلاً من اعتماد خطة واضحة لمعالجة المشكلة. كما رفضت اعتبار الكلفة المالية عائقاً يبرّر عدم التحرك، قائلة إن من غير الصحيح الادعاء بأن البلديات عاجزة عن تحمّل نفقات هذه الإجراءات، ولا سيما أن وزارة الزراعة ونقابة الأطباء البيطريين تقدّمان كل ما في وسعهما لمساعدة البلديات. وحول استخدام السموم، شدّدت نحفاوي على أن تسميم الحيوانات جريمة يعاقب عليها القانون، مؤكدة أنها لا تتهم البلديات بتسميم الكلاب الشاردة بصورة مباشرة، لكنها تطالبها بالتحرك بدلاً من الاكتفاء بإصدار بيانات وصفتها بالهزيلة. ولفتت إلى أن الضغط والتحرك في هذا الملف يحققان نتائج، لكنها حذّرت من أن عواقب عدم تطبيق القانون قد تكون أكبر بكثير، وتؤدي إلى سقوط عدد أكبر من الضحايا مقارنة بالنتائج التي يمكن تحقيقها من خلال تطبيقه. وأضافت أن الشخص القادر على تعذيب حيوان قد يكون قادراً أيضاً على إيذاء الإنسان، مستندة إلى ما أشارت إليه من دراسات علمية تربط بين إساءة معاملة الحيوانات واحتمال ممارسة العنف بحق البشر. وفي سياق متصل، أثارت نحفاوي قضية مادة "اللانيت"، مشيرة إلى أنها مادة محظورة يجري إدخالها إلى لبنان عن طريق التهريب، بحسب قولها. وأضافت أن هذه المادة تُباع في أماكن محددة، معتبرة أن المداهمات لا تجدي نفعاً مع الجهات التي تبيعها، ومتسائلة عمّا إذا كانت تلك الجهات تحظى بالحماية. وحذّرت من أن استخدام "اللانيت" لتسميم الحيوانات لا يقتصر أثره على قتل الكلاب، بل قد يؤدي إلى تلوث بيئي طويل الأمد، مشيرة إلى أن آثار المادة تبقى فترة طويلة، وقد تتسبب بنفوق حيوانات برية مهددة بالانقراض. كما انتقدت طريقة تعامل الجهات المعنية مع الأشخاص الذين يبلغون عن عمليات تسميم الحيوانات، قائلة إن الدولة، بدلاً من ملاحقة الأشخاص الذين يُبلّغ عنهم للاشتباه بتورطهم في التسميم، تقوم بملاحقة المبلّغين واستدعائهم. وأكدت أن هدفها الأساسي هو حماية الحيوانات والدفاع عن حقها في الحياة، مشددة على أن من حقها كشف الجرائم التي تُرتكب بحقها والإبلاغ عنها، لا أن تتحول جهودها إلى سبب لاستدعائها وملاحقتها. وتضع هذه المواقف أزمة الكلاب الشاردة أمام مسؤولية مشتركة بين الدولة والبلديات والجهات البيطرية، في ظل الحاجة إلى تطبيق القانون، واعتماد برامج التعقيم والتلقيح، وملاحقة استخدام السموم ومصادر بيعها وتهريبها. فالمعالجة المستدامة، وفق الطرح الذي عرضته نحفاوي، لا تقوم على قتل الحيوانات، بل على حماية الإنسان والحيوان معاً، ووضع حد للممارسات التي قد تحمل تداعيات تتجاوز الشارع إلى البيئة والصحة العامة.