يبدو "إبراهيم"، السوري، بطل رواية "ياسمين مغارة الدم"، للروائي والباحث والصحافي السوري رفعت إسماعيل بو عساف، الصادرة، أخيراً، عن دار سائر المشرق. فأرضه غدت يباباً تعصف بها رياح الأحقاد والمكائد والخبائث، وآفاقه يخضبها دم فتكٍ لا يكلّ.. وأما آماله فتذروها رصاصات تقاتُل الإخوة، بينما تنهش فؤاده أحقاد نظام الأسد المستبد وحِراب التشدد الديني والتفرقة العنصرية، ما جعل أهل موطنه الناجين من نيران القتل الممنهج إما يستسلمون للموتورين وينخرطون في لعبة القتل، أو يفرّون إلى أقصى الأصقاع ليردعوا مخالب الموت عن بسمات أطفالهم، ويمنحوهم، إذا نجوا من عصف غيلان البحر وشراسة أسماكه، فرص حيوات هنيّة بعيدة عن قصف التطييف والمقت. تقوم حكاية رواية "ياسمين مغارة الدم" على وقائع وقصص شهدتها سوريا خلال العقدين الأخيرين، مطعّمة ومقرونة بجملة حقائق تاريخية ومزيج تخييل هادف متناغم يخدم موضوعة وغاية سرد حكاية وطن أكلته نيران الديكتاتورية الأسدية وذبحته سيوف تنظيم "داعش"، بجانب نهوج التكفير والعنصرية. وفي هذي المديات، يغوص بو عساف في سردياته وعبر مسابر توصيفه وتحليله الروائي، إلى أعماق سحيقة كي يستجلي الكوامن التاريخية، وينبش عن الخفايا والأسرار التي تثوي وتتوارى خلف المشهد، إذ يقودنا بحبكة شائقة، دقيقة محكمة السبك، إلى عوالم الحضارات القديمة التي مرت على بلاد الشام وبلاد الرافدين، فيجعلنا ذاهلين ونهمين أكثر للمعرفة والانغماس في أكناه الصفحات، بينما نتبين وجود فرقة/جماعة دينية سرية، منذ سومر وكنعان وآرام، تحكّمت، ولا تزال، بمصائر هذي البقعة، بل وبالمعمورة جلّها، حيث إنها تعتلي نواصي الأحداث وتسيّرها وترسم خرائط الحرب والدم والآلام في وطن الأبجدية (سوريا) وفي البقاع شتّى، بفعل سيطرتها على المال ومراكز القرار السياسي والاقتصادي، الأمر الذي يمدّها بالقدرة على تقويض الأوطان وإشعال النيران وإسالة الدماء، أينما تريد وحين تبغي. وبينما تبحر "ياسمين مغارة الدم" في هذي اليموم وتقطع تلك المديات، تستحضر سيراً تاريخية حضارية بانورامية لتضيء لنا خفايا مجريات الحاضر، إذ نشرع في السفر بثنايا محطات استكشافية مهولة، مع وصول فرقة استطلاع وحفر وتنقيب عن الآثار إلى دمشق في عام 2014، أرسلها مجلس حكماء الجماعة السرية المسيطرة على مقدرات الإنسانية من خلف الكواليس، "فرسان الثالوث"، عقب أن عثرت عضوة في الجمعية هذي، على قطعة عاج تاريخية معلقة بسلسال يضعه حول عنقه لاجئ سوري (إبراهيم - بطل الرواية) أثناء وجوده في مخيم باليونان. هكذا، وعند التأكد من كون "العاجية" مرتبطة بطقوس ديانة تلكم الجمعية "ديانة ثالوث الحكمة والفلسفة والمعرفة" وبكتابها المفقود، تبدأ أعمال ومغامرة فريق البحث ذاك الذي يضم علماء تاريخ ولغات وآثار، حيث يصل إلى "آرام دمشق" في فجر أحد أيام شهر يوليو، وتستقبله، وكذا تحرسه، قوتان متواريتان، من نظام الأسد ومن فصائل المعارضة. وفي خواتيم عمليات حفر وتنقيب وعمل دامت قرابة الشهر، وتركزت في جبل قاسيون وحي جوبر، يعثر الفريق على معابد ومكتبات ولقى ومقتنيات، مذهلة، علاوة على وثائق ونقوش وأسرار خطيرة، توضح أن هناك جماعة دينية سرية، نشطت وحكمت ميادين الحياة في المنطقة، منذ عصور السومريين والأكاديين والكنعانيين، ومن ثم فتك بها الآشوريون والآراميون ومَن أتوا بعدهم، فقتلوا كهنتها ودمروا معابدها واختفى كتابها المقدس وجملة أدوات ورمزيات طقوسية عبادية تخصها، ومن ثمّ فرّ من نجا إلى أقاصٍ عديدة، حاملاً معه بضع حكايات وأسرار وحقائق وأموال وسجلات وقصص اهتدى بها لاحقاً، أنصار وورثة هذي الجماعة الدينية التي أحكمت السيطرة في النهاية، على كل شؤون البشرية ومسائلها وحيواتها، من دون أن تظهر بالصورة. وبعد أن يفقد قائد الفريق الأمل في العثور على كتاب الجماعة المقدس، يأمر أعضاء فريقه بحمل جميع المعثورات ونقلها إلى طائرة أخرى خاصة ترافقهم في رحلة عودتهم، حيث تُنقل إلى مقارّ الجمعية في جبال سويسرا وأرياف بريطانيا. بطبيعة الحال، لا تغفل الرواية أياً من جوانب المعاناة والآلام التي حلّت بالسوريين، بينما هي تنبش وتحفر عميقاً وتستكنه كوامن التاريخ وخفايا الحاضر، فتصوّر لنا، عبر حكاية البطل "إبراهيم"، ما شهده المجتمع السوري من قتل وإذلال وتحكم وعسف وبطش، منذ عام 2011، من قبل النظام الديكتاتوري والفصائل المعارضة المتشددة التي بدّدت ألفة السوريين ولحمتهم، حيث نطالع فيها فصول عذابات ومعاناة "إبراهيم"، الوطني المُصرّ على عدم الانقياد إلى مستنقعات الإجرام الأسدي، أو إلى مهالك وخبائث ونيران الفرق المعارضة المتشددة دينياً التي ترفض الاعتراف بسوريا دولة ديموقراطية مدنية دستورية.. وتتنكر لجمال تنوّعها، بل وترفض أيّ طروحات ودعوات في الخصوص. وعَقب مصائب وآلام كثيرة تنال من البطل، يقع أخيراً، وإثر إطباق أنياب العوز ع