د.إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي ومستشاردولي معتمد من البورد العالمي الأميركي USA - GTB ما نراه بقايا أشجار قد لا تكون نفايات أصلاً، بل مورداً بيئياً نخسره كلما اخترنا الحرق أو الرمي العشوائي بدل إعادة الاستخدام. فأغصان الأشجار التي تتكدّس بعد التقليم، والأوراق اليابسة التي تُجمع من الحدائق والطرقات، تطرح سؤالاً يتجاوز النظافة العامة: هل يمتلك لبنان نظاماً يحوّل هذه المخلّفات إلى موارد، أم أن مصيرها ينتهي غالباً عند التخلص منها؟تتكرر عمليات تقليم الأشجار وتنظيف المساحات الخضراء، خصوصاً في المدن والبلدات، لكن التعامل مع ما ينتج عنها لا يقل أهمية عن عملية التقليم نفسها. فحين تُترك الأغصان الجافة في مواقع غير مناسبة، قد تتحول إلى مواد قابلة للاشتعال تزيد مخاطر انتشار الحرائق عند توافر الظروف الملائمة. أما حرقها في الهواء الطلق، فلا يختصر المشكلة، بل ينقلها إلى الهواء الذي نتنفسه.وتحذّر منظمة الصحة العالمية، في وثيقتها الصادرة في تموز 2025 بعنوان Open waste burning: Sectoral solutions for air pollution and health، من أن حرق النفايات في الهواء الطلق يطلق ملوّثات تؤثر في جودة الهواء والصحة العامة. كذلك، أظهرت دراسة منشورة في مجلة Atmospheric Environment في كانون الأول 2024، تناولت حرق أغصان الزيتون ومخلّفات تقليم الحدائق، أن هذه العملية تطلق جسيمات دقيقة وملوّثات غازية، وأن عينات الانبعاثات المدروسة أظهرت آثاراً ضارة في حيوية خلايا الظهارة الرئوية مخبرياً. وهذا دليل على خطورة الانبعاثات، لا قياس مباشر للأضرار الصحية الناتجة عن حرق الأغصان في لبنان.لكن ماذا لو لم تكن هذه الأغصان نفايات، بل مادة أولية قابلة للاستثمار؟في دراسة بحثية منشورة عام 2025 في مجلة ACS Sustainable Chemistry & Engineering، تحت عنوان Turning Waste into Worth: Valorizing Urban Tree Pruning Residues for Sustainable Materials Development، تناول الباحثون إمكانية تحويل مخلّفات تقليم الأشجار الحضرية إلى مواد ذات قيمة، بدل الاكتفاء بالتخلص منها. وفي السياق نفسه، راجعت دراسة منهجية منشورة في مجلة Biomass and Bioenergy في أيلول 2025 إمكانات استخدام مخلّفات التقليم الزراعي لإنتاج الفحم الحيوي ومواد ومنتجات أخرى من خلال التحلّل الحراري.وتفتح هذه الأبحاث المجال أمام حلول عملية، أبرزها فرم الأغصان واستخدامها في إنتاج رقائق الخشب، أو معالجة المواد النباتية المناسبة وتحويلها إلى سماد عضوي، أو الاستفادة منها في إنتاج الفحم الحيوي ضمن منشآت مجهّزة وتحت رقابة تقنية. ويمكن استخدام الفحم الحيوي، بحسب خصائصه وطريقة إنتاجه ونوع التربة، لتحسين بعض خصائص التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية. غير أن هذه الاستخدامات تحتاج إلى فرز المواد ومعالجتها بصورة صحيحة؛ فليست كل الأغصان مناسبة لكل تطبيق، ولا يمكن اعتبار أي منتج ناتج عنها آمناً أو مفيداً من دون تقييم جودته.وتكمن أهمية هذه الحلول في أنها تنقل إدارة المخلّفات من منطق التخلص منها إلى منطق الاقتصاد الدائري، حيث تُستعاد قيمة المواد بدل هدرها. لكن تطبيقها في لبنان يتطلب أكثر من مبادرات فردية: بلديات تنظّم جمع الأغصان ونقلها، ونقاطاً مخصّصة لتجميعها، وشراكات مع منشآت قادرة على فرمها أو تحويلها إلى منتجات مفيدة، إلى جانب توعية المواطنين بمخاطر الحرق العشوائي.ولا بد من التمييز بين ما أثبتته الدراسات الدولية وما لم يُثبت محلياً بعد. فالأبحاث المذكورة تدعم إمكانات الاستفادة من هذه المخلّفات ومخاطر حرقها، لكنها لا تحدّد كمية الأغصان التي تُرمى سنوياً في لبنان، ولا نسبة ما يُحرق منها أو يُعاد تدويره. وتحديد حجم المشكلة محلياً يحتاج إلى بيانات ميدانية عن كميات التقليم وطرق جمعها والتخلص منها.في النهاية، لا تبدأ حماية البيئة دائماً بمشاريع ضخمة؛ فقد تبدأ من الطريقة التي نتعامل بها مع غصن يابس بعد تقليم شجرة. وبين الحرق والاستفادة، يبقى السؤال: لماذا نتعامل مع مخلّفات الأشجار باعتبارها عبئاً يجب التخلص منه، بدل أن نضع لها نظاماً يحوّلها إلى مورد اقتصادي وبيئي؟