من بوابات المدارس جاء اختبار غير متوقع لعلاقة أنقرة وباكو. فالبلدان اللذان يرفعان شعار أمة واحدة، دولتان وجدا نفسيهما أمام سجال علني بشأن الحجاب، بعدما أثارت قيود أذربيجانية على الملابس المدرسية اعتراضات تركية، قابلها الحزب الحاكم في باكو بتحذير من التدخل في الشؤون الداخلية. وبين الدفاع عن التعليم العلماني والاحتجاج على حرمان المحجبات من الدراسة، كشف الخلاف تبايناً في فهم حدود الأخوة السياسية وحق كل دولة في رسم خياراتها. الزي المدرسي.. قرار يتجاوز الملابس بدأت الأزمة بقرار مجلس الوزراء الأذربيجاني رقم 309، الصادر في أيلول/ سبتمبر 2026، الذي حظر إضافات إلى الزي المدرسي تخالف متطلبات توحيده ومبدأ التعليم العلماني. لم يذكر النص الحجاب صراحة، لكن تطبيقه أدى، وفق تقارير ميدانية، إلى منع طالبات محجبات من دخول مدارس. وتبرر السلطات الأذربيجانية القواعد بحماية المساواة والطابع العلماني للمؤسسات التعليمية. غير أن الاعتراض يتركز على نتائج التطبيق، فتنظيم الملابس يصبح مسألة تتعلق بالحق في التعليم عندما تغلق أبواب الصفوف أمام الطالبات المحجبات. ويزيد الإشكال أن التعديلات، لا تنص صراحة على استبعاد الطالبات المحجبات من الحصص، وهذا ما يثير تساؤلات بشأن الأساس الذي تستند إليه الإدارات المدرسية في المنع. وتضيء تصريحات الرئيس إلهام علييف الخلفية السياسية، إذ ربط، في مؤتمر حزبه يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر، التعليم بالحماية من الاستفزازات الأيديولوجية. ويتيح ذلك قراءة القرار ضمن اهتمام السلطة بتحصين نموذجها للدولة والمجتمع، لكنه لا يثبت أن الاحتجاجات ناتجة عن تدخل خارجي، ولا يبرر اختزال اعتراضات الأسر في صراع على النفوذ. داخلياً، شهدت مدارس تجمعات ومقاطعة للدروس تضامناً مع المحجبات، ولوح أولياء أمور بإبقاء أبنائهم في المنازل. وأعلنت وزارة الداخلية، توقيف 37 شخصاً، واتهمتهم بإثارة مواجهات مع العاملين بالتعليم وإلحاق أضرار بمؤسسات تعليمية وتعطيل النظام العام. وهكذا تجاوزت التداعيات مسألة الانضباط المدرسي إلى علاقة الأسر بالمؤسسات التعليمية. فالطالبات المحجبات يواجهن تعارضاً بين مواصلة الدراسة والتمسك بلباسهن الديني، بينما تزيد المقاطعة صعوبة احتواء الخلاف. الحجاب بين ذاكرة تركيا وسيادة أذربيجان انتقل السجال إلى مستوى سياسي حساس في 12 تشرين الأول/ أكتوبر، عندما اعتبر أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منع الطالبات المحجبات من التعليم أمراً غير مقبول، وطالب أذربيجان بالتراجع. ومنحت صفته التصريح وزناً خاصاً، من دون أن يعني ذلك تلقائياً صدور موقف شخصي معلن عن أردوغان. وفي اليوم نفسه، وجه محمود أريكان، زعيم حزب السعادة التركي المعارض، رسالة مفتوحة إلى الرئيس علييف، مستحضراً القيود التي واجهتها المحجبات خلال عملية 28 شباط/ فبراير في تركيا. وحذر من أن حرمان الفتيات من التعليم بسبب معتقداتهن يعمق الانقسام ويقيم حواجز بين المجتمع والدولة. جاء الرد في 13 تشرين الأول/ أكتوبر، عندما وصف حزب أذربيجان الجديدة الحاكم تصريحات سارال ونواب من العدالة والتنمية بأنها شعبوية وغير مسؤولة. وأكد أن الأخوة لا تتيح التدخل أو فرض توجهات أيديولوجية، مذكراً بأن الدستور التركي ينص أيضاً على العلمانية. وهكذا استخدم شعار أمة واحدة، دولتان لتأكيد استقلال القرار، بعدما اعتاد الطرفان توظيفه لإبراز التقارب. ولم يقتصر البيان على الحجاب، إذ دافع عن علاقات باكو بإسرائيل، وأكد دعم الحقوق الفلسطينية. ويشير جمع الملفين إلى اتساع حساسية القيادة الأذربيجانية تجاه الانتقادات التركية، وإصرارها على إبقاء خياراتها الداخلية والخارجية خارج نطاق الضغط، حتى عندما يأتي من الحليف الأقرب. وكان علييف قد رسم ملامح هذا الموقف في خطاب ألقاه يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر، مؤكداً أن بلاده اشترت جميع أسلحتها بأموالها وبالأسعار العالمية، حتى آخر رصاصة، ومشددًا على رفض التدخل في شؤونها وأسلوب حياتها. ورغم أنه لم يسم تركيا في هذا المقطع، فإن تصريحاته تضيف خلفية لفهم تشدد باكو لاحقاً، إصراراً على أن الشراكات العسكرية لا تمنح أصحابها حق التأثير في خياراتها الداخلية. أحدث التطورات... والاختبار عند أبواب المدارس أبقت التغطيات المنشورة في قضية منع المحجبات والاحتجاجات على الواجهة، بما يعكس استمرار التداعيات الاجتماعية للقرار بعد انتقاله إلى سجال سياسي بين البلدين. وظل الوصول إلى الصفوف محور اعتراض الأهالي والطالبات. وفي أحدث تطور، نفت وزارة الصحة والمجلس الأذربيجاني للإعلام المرئي والمسموع صحة وثيقة متداولة تزعم فرض قيود على الحجاب في المؤسسات الطبية. وأكدا عدم صدور تعليمات مماثلة، كاشفين اتساع تداول معلومات مضللة تتجاوز نطاق القرار المدرسي. لم يبلغ الخلاف حد القطيعة بين تركيا وأذربيجا