حين نُقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعةِ دمشق، في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر، انشغل سوريون كثر بمصيره، وذهبَ بعضهم إلى سؤال يتجاوز الحجر؛ أين صلاح الدين اليوم؟ ومن يملك شجاعة القائد الذي يحرّر الأرض ويستعيد الكرامة؟ وقد أعلنت محافظة دمشق أنّ النقل يهدف إلى صيانة التمثال وترميمه، ضمن مشروع لإعادة تأهيل محيط القلعة، وأنّ موقعه النهائي لم يكن قد حُسم بعد. لكنّ الجدل الذي أثارته الخطوة كشف أنّ التمثال لم يعد مجرد نصب في ساحة عامة، بل أصبح باباً لاستحضار صورة البطل الذي يُنتظر منه أن يفعل كلّ شيء. ليست في استدعاء التاريخ مشكلة بحد ذاته؛ فالمجتمعات التي عاشت الهزائم والانكسارات تحتاج إلى ما يحفظ ذاكرتها من التبدد، وتبحث في ماضيها عن شواهد على قدرتها على النهوض. غير أنّ السؤال يبدأ حين تتحول الذاكرة من مصدر للمعنى إلى بديل من العمل، وحين يصبح انتظار القائد الاستثنائي أسهل من مواجهة السؤال الأكثر تعقيداً: لماذا نحتاج في كلّ مرة إلى بطل كي نحصل على ما يفترض أن تضمنهُ لنا الدولة؟ تُغري صورة صلاح الدين بخلاص واضحَ المعالم؛ قائد يظهر في لحظة الانقسام ليجمع القوى المتفرقة، فيهزم خصومه ويعيدُ الأرض إلى أصحابها. إنها صورة تختصر كلّ التاريخ بتفاصيله المتشعبة في إرادة رجل واحد فقط؟! وتمنح الحاضر أملاً سريعاً في أن تتكرر المعجزة. لكنّ التاريخ نفسه أكثر تعقيداً من أن يُختصر في سيرة قائد وأي محاولة لاستنساخ لحظة تاريخية تتجاهل اختلاف الأزمنة وشروطها، وتحول الماضي إلى قائمة من الأمنيات بدلاً من أن تجعله مجالاً للفهم والتعلم. في سوريا، لا يأتي التعلق بالبطل من فراغ. فقد عاش السوريون عقوداً من حكم استبدادي اختزلَ الدولة في شخص الرئيس، وجعل الولاء له معياراً للانتماء والنجاة، ثم جاءت سنوات الثورة بما حملتهُ من قتلٍ وتهجير واعتقال وفقدان للأمان. قبل سقوط نظام بشار الأسد كان التحرير بالنسبة إلى كثير من السورييّن وعداً بالخروج من زمنِ الخوف، لا مجرد تبديل لرأس السلطة. ومع هذا الإرث الثقيل يصبح مفهوماً أن يبحث الناس عن قيادة قادرة على حسمِ الفوضى وإعادة الاعتبار إلى بلد أنهكتهُ الحرب. لكنّ المفهوم ليسَ بالضرورة سليماً إذا تحول إلى نموذج دائم للحكم. المفارقة اليوم هي؛ أنّ الثورة التي خرج السوريون فيها ضدَ احتكار السلطة وصناعة الزعيم الذي لا يُسأل، يمكن أن تفقد جزءاً من معناها الجوهري إذا انتهى بهم الأمر إلى انتظار رجلَ جديد يتولى التفكير والقرار والإنقاذ نيابةً عنهم؟! فليست المشكلة هنا في وجود قائد قوي أو في الحاجة إلى سلطة قادرة على إدارة البلاد، بل في أن تُقاس قوة الدولة بمدى حضور شخص واحد، وأن تتراجع الأسئلة المتعلقة بالقانون والمؤسسات والمحاسبة كلما ارتفعت نبرة الخطاب البطولي. فما الذي يعنيه تحرير سوريا إذا بقيت العدالة أمنية مؤجلة؟ وما قيمة حديثنا عن الكرامة إذا بقيّ حق المواطن في الأمان والعمل والمشاركة مرتبطاً بموقعه من السلطة أو بهويته أو بمدى قربه من أصحاب القرار؟ لا تستطيع صورة تاريخية أن تجيب عن هذه الأسئلة، ولا يمكن لقائد مهما امتلك من شعبية أو حضور، أن يقدم ضمانة دائمة لحقوق ملايين السوريين من دون مؤسسات مستقلة تستطيع مراقبته ومحاسبته. سوريا بدأت بالفعل خطوات في مسار العدالة الانتقالية، من بينها إنشاء هيئات مختصة وفتح محاكمات تتعلق بجرائم ارتُكبت في عهد النظام السابق. لكن وجود المؤسسات وحده لا يكفي؛ فالمعيار هو قدرتها على العمل باستقلال وشفافية، وإنصاف الضحايا من دون انتقائية، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. وقد أشارت منظمات حقوقية إلى أسئلة لا تزال قائمة بشأن استقلال القضاء، وشمول المساءلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أياً كانت الجهة التي ارتكبتها! وهذه هي المسافة الفعلية بين انتظار البطل وبناء الدولة؛ في النموذج الأول، يُطلب من الناس أن يثقوا بشخص ثم يأملوا أن يحسن استخدام سلطته؛ وفي الثاني تُبنى قواعد تمنع السلطة من التحول إلى امتياز شخصي، وتتيح للمواطن الاعتراض من دونِ خوف، وللصحافة هنا دور أن تسأل، وللقضاء أن يحاسب، وللمجتمع أن يشارك في تحديد مستقبله. ذاك لا يلغي دور القيادة لكنه أيضاً يمنعها من أن تصبح بديلاً من المجتمع ومؤسساته. حتى سؤال تحرير الأرض، الذي يستحضره البعض عند ذكر صلاح الدين، لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان بلاغي تُقاس به شرعية الحاضر وحدها. فاستعادة الحقوق الوطنية تحتاج إلى سياسة واضحة، وقدرات فعلية، ومؤسسات تملك القرار، ومجتمع يعرف أنّ السيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية مستمرة عن الأرض والناس. لا تكفي استعادة لغة الانتصار إذا بقيت حياة المواطنين محكومة بالخوف والفقر والتمييز. فربما يعود تمثال صلاح الدين إلى مكان مهم في دمشق، وربما يُنقل إلى موقع آخر بعدَ ترميمه. لكنّ المسألة الأع